أكد يسري نصر الله أن فيلمه «احكي يا شهر زاد» الذي يعرض حاليا في صالات السينما بالإمارات، محاولة منه كمخرج مع كاتب بحجم وقيمة وحيد حامد، للتمرد على مختلف أشكال القهر المفروضة على الإنسان في المجتمع العربي، فليست المرأة وحدها هي التي تقع تحت قهر الرجل، بل الرجل أيضا واقع تحت ضغط الظروف الأقوى منه، الأوضاع الاقتصادية المزرية وانتشار المحسوبية والانتهازية واستخدام الأساليب الملتوية لتحقيق ما يريد.

وأشار نصر الله في حديثه مع (الحواس الخمس) أن القصد من إبراز قهر المرأة في الفيلم، لأنها دائما الحلقة الأضعف في مجتمع لا تزال سمته الأساسية ذكورية والمرأة فيه تابع مقهور، ورغم الهجوم الذي تعرض له العمل بما يحمله من بعض المشاهد الجريئة، إلا أنها لم تكن ساخنة حسب كلام نصر الله الذي التقيناه في أبوظبي على هامش مهرجان الشرق الأوسط السينمائي لنتعرف منه على تفاصيل فيلمه الذي يثير كثيرا من الجدل، وكان الحوار التالي: كيف تعاملت مع وحيد حامد كمؤلف لا يقبل بسهولة التغيير في أفلامه؟ وحيد مؤلف كبير ويعرف الفرق بين النص المكتوب والفيلم كصورة، وقد حدث بيننا نقاش طويل اتفقنا فيه على التفاصيل وتقبل ملاحظاتي قبل بداية التصوير، وكانت كلها ملاحظات تتعلق بالبناء الدرامي للأحداث، مثلا في قصة «الآنسة أماني» التي أدتها سوسن بدر كان الحوار كاملا يدور في الأستوديو.

وقلت له لن أستطيع تصويرها بهذا الشكل، وأضفت مشاهد المصحة التي تقيم بها، وبعد ذلك لم يأت وحيد حامد للبلاتوه ولم يحضر المونتاج لقناعته بأنني سأكون أمينا في نقل ما يريد أن يصل به الى الجمهور. وهل وضعت تصورا لتقترب بالفيلم من السينما المعروفة عنك؟ليس حقيقيا ولا صحيحا أنه لابد للمخرج أن يضع تصورا أو رؤية، وأنا شخصيا أقول «عارف أنا مش عايز إيه، لكن اللي أنا أريده سنجده معا أنا والممثلون ومش لازم أعطيهم كل شيء في الأداء والإحساس والخبرة لكن محتاج إنهم يعطوني من تجاربهم وإحساسهم وخبرتهم»، أو بمعنى آخر نجلس ونتباحث ونكّون ورشة عمل وكل اللي عنده حاجة يعطيها للفيلم.

كيف كانت مهمة تقديم ثلاث قصص مختلفة داخل الفيلم؟

أولا يوجد سيناريو مكتوب بحرفية شديدة، وكم كبير من الممثلين المحترفين الموهوبين، وكان المهم بالنسبة لي ألا تتحول «هبة يونس» أقصد منى زكي إلى مجرد رابط بين القصص الثلاث، لهذا أؤكد أن الفيلم يقدم أربع قصص لأن القصة الأساسية هي قصة المذيعة نفسها التي تتطور منذ بداية الفيلم حيث نراها فقط كمذيعة ناجحة تحاول إرضاء زوجها قبل أن تتحول في النهاية إلى ضحية رابعة لقهر الرجل لكنها تقاوم كما قاومت كل شخصيات الفيلم.

و كنت أريد التأكيد على أن «هبة» تتعلم من ضيفاتها، فمع «الآنسة أماني» كانت تحاول فقط أن ترضي زوجها بتقديم قصة مختلفة قبل أن تتعاطف مع الشخصية الأولى، وقبل أن تصطدم بقصة «صفاء» التي أنهت حياتها بقتل «سعيد الخفيف» لكنها داخل السجن أدركت أن الحياة يمكن أن تستمر وخرجت وقاومت، ثم مع «ناهد» التي رفضت الطفل من الرجل المخادع، بينما هي كهبة يونس تريد طفلا من رجل لا تعرف هل تحبه بالفعل أم لا وهو يقهرها باسم الحب .

هناك من يرى أن القصة الثانية «الشقيقات الثلاث وسعيد الخفيف»، كانت طويلة أكثر من اللازم، وأدت لاختفاء «مني زكي» فترة .

قد يكون هذا صحيحا لكنها أكدت مضمون الفيلم وحولت الأحداث إلى تصاعد وصل مداه مع شخصية الدكتورة «ناهد» التي جعلت زوج هبة الصحافي يثور عليها، لأنها مع اقترابها من واقع الشخصيات مست خيط السياسية التي أراد منها تغييره في برنامجها التلفزيوني ليحصل هو على منصب رئيس التحرير.

هل يعني ذلك تعاطفك فقط مع السيدات الأربع ؟

أولا كنت بحاجة للخروج من وضع السيطرة على الشخصيات كمخرج، لأنني لو تمسكت بالسيطرة لن استطيع حكي القصص، لكنني أيضا كنت متعاطفا مع الرجال لأنهم ضحايا عقلية تقول إنهم لن يكونوا ناجحين إلا إذا سيطروا وتملكوا السلطة، سواء الزوج الصحافي الذي قال: «البلد دي مش بتمشي إلا بالمناصب»، أو «سعيد الخفيف» الذي قرر السيطرة على البنات الثلاث بالعلاقة الحميمة.

لكن الشخصية التي قدمها «حسين الإمام» ظهرت بشكل مبالغ فيه، فلا يوجد رجل يطلب من المرأة كل هذه الطلبات فقط لأنه سيصبح زوجها؟

في مشهد المواجهة بين حسين الإمام وسوسن بدر« لو كان قد قال لها» سأحبك وأضعك في عيني «ردا على سؤال» في مقابل إيه سأقدم هذه التنازلات لكانت قد وافقت على الفور، لكنه كان يريد كل شيء لمجرد أنه سيصبح زوجها ويمارس معها علاقته الزوجية، وكأنه يخلصها من مشكلتها الوحيدة التي قاومتها حتى لو كان مصيرها المصحة النفسية.

وهل يعني ذلك أن «احكي يا شهر زاد» دعوة للتمرد على الرجل؟

لا، فمثلما توجد نساء مقهورات هناك أيضا رجال مقهورون، وقد أشرنا إلى أن القهر الذي يتعرض له الرجال في الفيلم من خلال شخصية «كريم» أو حسن الرداد الذي يتعرض لقهر فكري حتى تغير زوجته طبيعة عملها، ولكن أعتبر الفيلم دعوة للمرأة بأن تبوح وتصرح عن مشاعرها وأحلامها بدلا من أن تكبت وتقهر.

لكن يرى البعض أن المحرك الأساسي لأبطال العمل هو الجنس.

غير صحيح، فالمحرك الأساسي لأبطال العمل هو الحب وليس الجنس، فسوسن بدر كانت تبحث عن الحب وليس الجنس بدليل أنها رفضت الزواج في بداية حياتها من شخص يريد أن يفرض سطوته عليها، والثلاث فتيات وقعن في حب من كان يعمل عندهن، حتى جريمة القتل التي ارتكبتها شقيقتهن الكبرى كانت بدافع الانتقام، وهذا دليل على الحب أيضا، وأخيرا الطبيبة التي وقعت في غرام رجل نصاب وكانت ترفض إعطاءه نفسها قبل ليلة الزفاف.

في رأيك كيف نفرق بين فيلم قوي وجريء وآخر ساخن؟

أفهم المقصود من سؤالك، السخونة قد تعني الإثارة من دون مبرر وطبعا لم نتعب نفسنا كل هذا التعب حتى نقدم فيلم إثارة لأن المشاهد إذا أراد ما هو أكثر من الإثارة فببساطة يمكنه مشاهدة فيلم بورنو، لكن طبعا لكل مشهد في الفيلم معني ولكل جملة حوار أكثر من معني، فمثلا مشاهد مني مع زوجها ومساوماته لها دائما بالحب والعلاقة الزوجية لدرجة أنها قالت له: «أنت مش فالح غير في كده ما تناقشني زى الناس»، وهذا معناه أن الرجل قد يستخدم سلاح الجنس لفرض سيطرته.

لماذا انتهت العلاقة بين منى زكي وزوجها في الفيلم بكل هذا العنف؟

كان لابد أن تنتهي بهذا العنف الذي يعبر عن الكبت الذي كانت تعاني منه المذيعة «هبة يونس» ، فزوجها كان يمارس عليها ضغطا وإرهابا فكريا وقد حانت اللحظة التي تفجر فيه طاقاته بكل ما تحمله من كبت.

كل نماذج النساء في الفيلم مقهورات وكل الرجال أنذال ، لماذا لم تأت بنموذج واحد سوي في الجنسين؟

فعلا شخصية هبة والثلاث بنات وناهد شخصيات مقهورة جدا، لكن الوحيدة التي تمردت على القهر هي أماني التي قامت بدورها سوسن بدر لدرجة أنها أصبحت مريضة وتري أن لا أحد جدير حتى بأن يلمس جسدها وده قهر نفسي فظيع أيضا، أما بالنسبة للرجال اعتقد أن سلطة الرجل علي المرأة أصبحت سمة واضحة جدا، واستخدامه لتلك السلطة هو ما يجعله دائما قاهرا لها باختلاف نوعية القهر ومداه وحجمه، ونحن في مجتمع لا يزال ذكوريا ومازالت فيه المرأة تابعا مقهورا.

حوار -أسامة عسل