رغم الخلاف الحاد والجدل المستمر حول دور الرقابة على الأفلام، اتهم الناقد عصام زكريا بعض الكتاب والمنتجين بأنهم يحاولون إثارة بطولات بإقحام قضايا حساسة وشخصيات سيادية في أعمالهم، إما بغرض استجلاب الجمهور أو استعراض العضلات لتصفية حسابات مع أصحاب شعارات ظلوا يرفعونها في الشارع بلا هدف أو معنى.
وأضاف عصام: هذا لا يعني أنني أوافق على رقابة متعسفة، ولكن أسأل نفسي دائمًا: هل يا ترى هؤلاء المنتجون أو الكتاب بخبراتهم الطويلة مع الرقابة ووعيهم العالي جدًا في صناعة السينما لا يعرفون المناطق الشائكة التي يفترض الحرص في التعامل معها، خاصة أن ما ترفضه الرقابة في أكثر الأحيان يمس شخصيات بشكل مباشر، ويسخر منهم الكاتب على حساب كرامتهم ودورهم ، ولذلك ليس هناك مانع في أن نختلف، ولكن علينا أن نضع أدب الاختلاف نصب أعيننا، وأن ندرك أن هناك قضايا نتناولها يمكن أن تعمّق الخلاف في مسائل تتعلق بوحدتنا الوطنية أو تسيء لمؤسسات نعتز بها وتمثل رمزًا لعزتنا، لذلك تجد أن البعض يتناولها من وجهة نظره أو من خلال مواقفه السياسية، بينما يفترض أن تكون هناك مراعاة في التناول من خلال نقد جاد وهادف يحفظ حقوق هذه الشخصيات والمؤسسات وإبراز دورها الإيجابي أيضًا والتأكيد عليه وهذا يمكن تحقيقه.
وفي الوقت ذاته وجه الناقد الفني انتقادات للرقابة لتعسفها في بعض الأحيان كرد فعل لأعمال سابقة كانت قد وصلتهم وعانوا في معالجتها وأحيانا يحكمهم المزاج أو المحاباة لآخرين، وقال إن الرقابة تضم كفاءات لها خبراتها في المجال السينمائي كان من الممكن أن يكون لها دور كبير في خلق مساحة عريضة من الثقة والاطمئنان بينها وبين الجهات المنتجة.. لكن الواقع الراهن يفرضه الاعتماد الكامل على رأي موظفين في جهات أخرى دون تعريفهم ببواطن الأمور الفنية وإبداء ملاحظات تساعد هؤلاء في اتخاذ قرار مناسب. أما الكاتب طارق عبد الجليل فيؤكد أنه لا توجد أي معايير ثابتة يتم من خلالها التعامل مع ما يعرض على الرقابة، واتهم الرقابة بالمحاباة في تقييمها للموضوعات المطروحة أمامها. وقال إن ما تعرض له فيلم «نمس بوند» في جزأيه الأول والثاني يؤكد ذلك رغم أن الفيلم لا يتعرض لضابط الشرطة بأي إساءة، ووصف الرقابة بأنها أصبحت ضعيفة أمام الجهات السيادية خاصة الشرطة والجيش.
وقال إن قوانين الرقابة لم تتغير منذ إنشائها قبل عشرات السنين، بينما تتغير الحياة، ومصر تشهد اليوم مساحة عالية من الحرية وكان يجب أن تكون القوانين مواكبة لهذه التحولات التي يفترض أن تجيء لصالح الإبداع والإنسان عامة. وأشار عبد الجليل إلى أن تحويل السيناريوهات إلى جهات أخرى مثل الشرطة والجيش والأزهر والرئاسة والكنيسة وغيرها لتكون الكلمة الأخيرة لها في تمرير عمل أو رفضه أمر خطير بكل المقاييس، ولفت إلى أن خروج هذه الأعمال من تلك الجهات يحتاج إلى علاقات واسعة، وهذا لا يستطيعه الكثيرون. إلى ذلك رأى الناقد رفيق الصبان إن الرقابة مثل «الفلتر» ليخرج العمل للجمهور بشكل جيد، وقال: لا أعتقد أن للرقابة مصلحة في تعطيل عمل بعينه، ولكن في بعض الأحيان تصطدم بمواقف ومشاهد تمس جهات بعينها خاصة الرئاسة أو جهات سيادية أخرى، وفي هذه الحالة تجد الرقابة نفسها في مشكلة ولا يمكنها أن تمرر الموضوع لأنها هي التي ستتحمل المسئولية كاملة في المقام الأول، وإذا لم توقفه فسيوقف العمل بطرق أخرى، ولذلك فإن اللوم كله على الرقابة أمر فيه ظلم لها؛ لأن القوانين والنظم التي تحكم عمل الرقابة هي التي تحدد مسارها وهذه مسائل تتعلق بالتشريع.
غير أن الصبان عاد وقال: أنا لا أعفي الرقابة من بعض الأخطاء ولكني أعتقد أن إحالة سيناريو لجهة أخرى رغم صعوبة المسألة أمر أصبح واقعًا، خاصة أننا في عصر تتشابك فيه الأمور بين الداخل والخارج، وهناك ما يمس الأمن الداخلي وأحيانًا يمس علاقاتنا السياسية والاجتماعية، فعندما ترى الرقابة أنه بالإمكان التدخل لحل المشكلة من خلال معالجتها تجد نفسها في حيرة إذا ما كانت الجهات الأخرى ستقبل بهذه المعالجة أم لا، وفي هذه الحالة تفضل إلقاء المسألة بكاملها في سلة تلك الجهات لتخلي مسؤوليتها.
الصبان يرى هنا أن الحل في تعديل قوانين الرقابة وفرض رقابة ذاتية من جانب المهتمين على أعمالهم بالعمل على الابتعاد عن الإثارة التي لا تخدم العمل، خاصة أن هناك أعمالاً تتضمن مشاهد هامشية فيها كثير من التجني والسخرية على الآخرين مثلما حدث في فيلم «لحم رخيص»، عندما تعرض لبعض سفارات دول أفريقية وصوّرت واجهاتها، وعادوا بعد بداية عرض الفيلم وحذفوا تلك المشاهد نتيجة شكاوى من هذه السفارات.
وأكد رفضه للتعسف في الرقابة، وقال: لابد من لقاءات مباشرة بين المنتجين والمخرجين وكبار الفنانين والمسؤولين في الوزارات المعنية والرقابة لبحث هذه القضية، فهي بالفعل قضية شائكة جدًا، يتضرر منها كل الأطراف إذا لم تكن هناك معايير ثابتة وواضحة يتم على أساسها الكتابة والإخراج لأعمال سينمائية يمكن أن تخدم الهدف.



