استطاعت دبى في السنوات الأخيرة فرض نفسها كعاصمة للخياطة الرفيعة، بتصميماتها التي تخاطب المناسبات الكبيرة بفخامتها ، وهى فى طريقها لتكتب بجدارة لقب «عاصمة الموضة فى الشرق الأوسط » نعم هي لم تصل بعد إلى مستوى باريس في هذا المجال، والداعي لا يعود إلى قلة المواهب أو الخيال والحرفية، بقدر ما يعود إلى زمن التجربة بينهما.

بيد ان ما يحسب لدبي أنها نجحت في السنوات الأخيرة في أن تفرض نفسها كعاصمة موضة لها مكانتها واسمها وأسلوبها، وهو ما تسعى العديد من عواصم العالم الى تحقيقه من دون جدوى. ما ساعدها على انفتاحها على الغير وفتح أبوابها لهم للعرض فيها، الأمر الذي تحتاجه بالنظر إلى مخضرميها الذين بات أغلبهم على وشك التقاعد، من جهة، ونظرا لحاجتها إلى جذب وسائل الإعلام العالمية اليها.وهو الأمر الذي يمكن ان تحصل عليه بمشاركة مصممين معروفين في بلدانهم. هذا العام، والملفت فى الأمران حظى أسبوع دبي للموضة بحضور متألق وقوي لمصممين من شبه القارة الهندية ، وكان الإتقان والخيال البصري هما سيد الموقف في العديد من العروض التي نجحت في إدارة دفة الموضة إلى الشرق بصورة عامة بعد أن تعودنا في عروض الأزياء العالمية أن يكون تأثير هوليوود، وعصرها الذهبي هو الحاضر القوي، إلا أننا هذه المرة شاهدنا نسختها الهندية «بوليوود».

وهي تغزو العالمية في دبي التي تتوخى الرقي والأناقة بأسلوب محسوب ومضمون و على ما يبدو فإن صيفها في2010 سيكون ساخنا جدا. ولا نعني بذلك سخونة الألوان والإيحاءات الشرقية فحسب، بل إلى ما هو أكبر من ذلك، إذ بدا واضحا هذا الأسبوع أن قصة حب، قد نسجت خيوطها بين الهند ودبى .

ففي اليوم الأول أثارت المصممة الهندية الشابة ارتى جوبتا ، ضجة كبيرة، بأزيائها الشابة والجديدة، حسب مقاييس هذه المدينة. فقد استطاعت هذا الشابة الآتية من كالكوتا، أن تفاجئ الحضور، الذي كان ينتظر فساتين من «الساريه» وألوان توابل «الكاريه»، وقدمت لهم تشكيلة عصرية بنكهة هندية تعج بالألوان والأقمشة المترفة، التي عكست الذوق «البورجوازي». تشكيلة مزجت فيها المظهر الإنجليزي المحافظ بمظهر «لوليتا» فرنسية وهي تتجول في الهند في رحلة صيفية، أو بالأحرى حلم صيفي طويل.

وهذا الحلم الصيفي الهندي الباكستاني لم يقتصر على الآتي الجديد، بل امتد إلى باقي المصممين بمن فيهم المخضرمين بما فيهم المصمم رانجيش مالهوتر ، فالقول إن الهند غنية بثقافتها وتاريخها كمن يقول إن إينشتاين كان عبقريا. فالهند كانت دائما منجما غنيا بالأفكار يغرف منه المصممون كلما دعت الحاجة.

كما يستوردون منه ألوانا وأقمشة، لكن الأمر يختلف هذه المرة، إذا أن هذا الاهتمام الكبير قد يكون له جانب ميكيافيلي أيضا. فالهند أصبحت مركزا تجاريا كبيرا وسوقا لا يستهان بها بالنسبة للكثير من المؤسسات، بما فيها صناعة الأزياء. فجيورجيو ارماني افتتح محلا فيها، وهو الذي قال «الهند مكان حيوي ومتطور، ونحن مستعدون لأن نتواجد هناك».

وهل هناك أفضل من تمهيد الطريق بمغازلتها بالطريقة التي يتقنها ويبرع فيها: الأزياء، المعروف عن أرماني عشقه للهند، بجلبتها وإيقاعها السريع وألوانها، واعترف مرارا بأنه يثق في اليد العاملة بها، إذ هم الذين يطرزون تصاميمه بأحجار الكريستال واللؤلؤ والترتر. هذا الاسبوع عاد بالذاكرة إلى هند بداية القرن العشرين وعهد المستعمرات، واستقى الكثير من الافكار من أزياء المجتمع المخملي الذي عاش فيها في تلك الحقبة.

وبالتالي كان من الطبيعي أن تتميز تشكيلته بياقات عالية (نهرو) مطرزة بالأحجار الكريمة وبنطلونات فضفاضة عند الخصر والورك تضيق عند الركبة (الجبدور)، إلى جانب أزياء مثيرة تثير الخيال وتستحضر أزياء الراقصات. لا يمكن الحديث عن أرماني من دون أن نتطرق إلى الجاكيت المصمم الهندى تروي كوستا والذى عمل في أكثر من 35 فيلما من أفلام بوليوود.

وتتضمن قائمة عملائه خليطاً متنوعاً من المشاهير ومديري القنوات الإبداعية والمصممين المعماريين ورؤساء الشركات. ويستوحي كوستا تصاميمه من مفهوم الأزياء الرياضية وهو يعتبر الجاكيت الرسمي المصنوع من قماش الجرسيه قطعة الملابس المفضلة لديه.

كما كانت هناك قطع أخرى من الموسلين على شكل قمصان أو بنطلونات فضفاضة وقصيرة، يمكن أن تلبس لوحدها، أو مع إيشاربات من الحرير تلف عند الخصر، وأخرى حول الرأس لتشكل عمامة أنثوية خفيفة. الهدف من كل هذه اكسسوارات، أغلبها مرصع بالأحجار، هو الزيادة من سخونة التيمة الهندية.

وعلى خلفية حديقة معبد هندي، وعلى نغمات موسيقى «البانغرا» قدمت المصممة الأزياء تينا بيدي المولودة في مدينة بومباي والتي تربت في العاصمة التايلاندية بانكوك، بدورها تشكيلة أرادت أن تؤكد من خلالها إعجابها بالإرث الهندي، وقناعتها بأنه ليس هناك شيء يشد الانتباه أكثر من الجرأة المبالغ فيها.

فقد جمع بين بريق اسلوب فيرساتشي، وفخامة روبيرتو كافالي، وأرسلت عارضاتها في أزياء من حرير «الساريه» البراق الذي أبدعت منه جاكيتات قصيرة تصل عند الخصر، وتنورات «السارونج» تُلبس فوق بنطلونات من الجينز أو «قفطان» منساب، باكسسوارات ضخمة، بدءا من أقراط في حجم أطباق، وعقود وإسورة أحزمة لا تقل مبالغة وضخامة.

إضافة إلى أحذية مرصعة بالأحجار وحقائب مترفة تزينّها حواشي من الفرو الطبيعي بكل ألوان قوس قزح. لكنها لم تهمل زبوناتها اللواتي قد لا يروق لهن بريق «بوليوود» وإيحاءاته التي قد تفتقد إلى الرقي بالنسبة لهن، فخصصت لهن مجموعة هادئة لم تخل هي الأخرى من التفاصيل التي تميزه والتطريزات الجريئة.

وعلى غرار ما قدمه المصممون في نيويورك ولندن، ركزت هي الآخرى على منطقة الخصر، من حيث التفاصيل، ولم ينس أن يضيف إليها لمساته المثيرة، خاصة على الفساتين والجاكيتات.

الملاحظ في اسبوع دبى للموضة هو اختفاء ذلك الهوس بالشباب، والأزياء الموجهة لصغيرات السن فقط، وتركيزه في المقابل على أزياء تخاطب كل الفئات، وتحمل طابع الشبابية. نتيجة هذا التوجه كانت واضحة ومريحة في الوقت ذاته، تعتمد على مزج القطع المتنوعة، والألوان المتضاربة بتناغم لذيذ مع مختلف الأساليب.

وهذا هو الجميل في الموضة الحالية، إذ اصبح من الممكن، ومن المقبول، تطويعها حسب الذوق. أكبر دليل على هذا، معروضات تشيكلة «فريلز» التي صممتها «عايشة صايم» و«صايم مقصود»، بين ملبوسات المنتجعات الخفيفة، وفساتين السهرات والاحتفالات وجلابيات الزيارات النسائية والتى أظهرا فيها قدرة عجيبة على مخاطبة شريحة الزبونات الناضجات بإعطائهن أزياء عصرية تعج بروح شبابية (لم تسلم هي الأخرى من رائحة الهند من خلال ياقات نهرو وأقمشة فخمة، عدا عن ألوان التوابل الساخنة).

فى حين قدم المصمم الباكستاني حسن شهريار نكتة الخاصة من خلال رؤيته لعالم الموضة والتصميم والذى هو بالنسبة له نموذج للحياة عبر الفن والخيال ويعتبر أسلوبه العصرى التصميم مزيجاً متوازن الثقل من الفنون والثقافات والأقمشة مع الخياطة الحديثة والتزيينات والقصات.

دبي - رشا عبد المنعم