حين قرر سالم جاسم تقديم استقالته من عمله ثار عليه المحيطون به وبكت زوجته واستنجدت بمعارفهما لثنيه عن موقفه، فهو يعمل في وظيفة مرموقه ويتقاضى راتبا كبيرا ، وقرار الاستقالة يمكن أن يهدم ما بناه الرجل على مدى سنوات عمله ، وسيعرض بالقرار أسرته لفقدان الأمان الاقتصادي، فكيف يمكن أن يتعامل مع الأمر وكيف يستطيع أن يلائم بين ضغوط الحياة ومتطلباتها وبين شعوره بعدم قدرته على الاستمرار أكثر في عمله .

سالم جاسم يروي تجربته قائلا : وصلت ضغوط العمل بي إلى مرحلة لم أعد أستطيع معها أن أستمر خاصة بعد أن صدرت قرارات الترقية ولم أكن مشمولا بها، لكن أسرتي كانت تعارض استقالتي بشدة من دون أن تشعر بالضغط العاطفي الذي أوصلني إلى مرحلة عكست حزنا وكآبة في داخلي فقررت الذهاب إلى طبيب نفسي لعلي أجد حلا لهذه المشكلة، فكان أن نصحني بالحصول على إجازة والسفر بعيدا عن الأسرة والعمل واختيار مناطق سياحية يمكن أن أقضي ساعات وسط الطبيعة بعيدا عن أي صخب.

وقد سافرت بالفعل وعشت بعيدا عن كل شيء وصرت أستطيع التفكير بهدوء من دون ضغط، فوجدت أن أزمتي في العمل مقتصرة على علاقتي بشخص واحد هو مديري المباشر وأن أي قرار أتخذه سيكون بسبب موقفه مني، فحاولت تغيير هذه العلاقة وفي الوقت نفسه أبحث عن فرص عمل أخرى وأتجنب التصريح لأسرتي بأي شيء مقلق، وهكذا استطعت أن أخفف وطأة العمل،ولكني بالنتيجة قدمت استقالتي حين حصلت على فرصة عمل أفضل.

وقرار الاستقالة يمر بكثير من العاملين في مختلف القطاعات ، فسعيد مصبح الكعبي الذي يعمل في مجال التعليم قال : راودتني فكرة الاستقالة من عملي مرات عدة فبيئة العمل عندنا تصيب المرء بالإحباط إذ أننا نعاني من المساواة بين المجتهد وغير المجتهد ، فنكاد نرى أن من يعمل ويبدع لا يختلف في التقدير عمن لا يعمل ويقضي عامه الدراسي بالاجازات.

إضافة إلى أننا لا نمتلك رؤية واضحة نسير عليها في العملية التعليمية إذ تتغير القرارات والخطط خلال مدة وجيزة، فلا نعرف كيف يمكن أن نتأقلم مع كل قرار، وقد شعرت أني أراوح مكاني خلال كل تلك السنوات مع أني حصلت على شهادات عليا واهتممت بتطوير ذاتي لكني لم أجد صدى لكل ما فعلت، وما يمنعني من الاستقالة هو عدم وجود مصدر مادي آمن لأسرتي سوى عملي.

والتردد في اتخاذ قرار الاستقالة قد يضع الانسان تحت ضغط نفسي كبير لكن التسرع به يمكن أن يؤدي إلى خسارات فادحة ، فسلمى حامد حسن تقول : أكثر قرار ندمت عليه هو قرار استقالتي فقد حصلت على وظيفة رائعة وكنت متزوجة حديثا وشعرت أن كل شيء يسير كما أتمنى إلى أن شعرت بالحمل وبدأت متاعبه تظهر علي بقوة ، فلم أفكر بالحصول على إجازة أو إيجاد حل مناسب للحصول على الراحة وانما قدمت استقالتي من العمل معتمدة على عمل زوجي واعتقادي أني سأحصل على العمل بسهولة بعد أن أضع مولودي.

وقد جرت الرياح بما لا تشتهي السفن إذ جاءت الأزمة الاقتصادية وتمت اقالة زوجي من عمله ولم نكن قد فكرنا بالادخار من قبل ، فوجدنا أنفسنا بلا وظائف ولا مال ولا تأمين صحي وأنا على أبواب الولادة ولا أعرف لمن ألجأ، وكان زوجي يحاول أن يبدو متماسكا لكني رأيت الدموع والاحباط في عينيه، وقد اضطررنا إلى الاستدانة من الأصدقاء والمعارف وكانت أسوأ مرحلة من حياتنا مررنا بها، وقد بدأت الامور تتحسن قليلا بعد شهور ، حيث حصل زوجي على عمل آخر لكننا لا نزال نعاني من آثار ذلك القرار.

ويهتم بعض المديرين بمعرفة أسباب استقالة موظفيهم ، حيث يقول محمد الهاشمي مدير علاقات عامة في شركة : حين يتقدم الموظف بطلب الاستقالة يكون لزاما على مسؤوله معرفة أسبابها ، فقد يكون الموظف بحاجة إلى المساعدة لتجاوز محنة عائلية أو مادية، ولكن في الحقيقة معظم الموظفين لا يفصحون عن غضبهم من الشركة حين يقدمون استقالاتهم، ربما لأنهم يأملون ربما بتعديل أوضاعهم ليعدلوا عن الاستقالة.

دبي - دلال جويد