المتحف الوحيد من نوعه في المنطقة بات وجهة حقيقية للسياحة الثقافية في الفترة الأخيرة. (الحواس الخمس) زارت المتحف وتبينت أسرار رحلة التصميم التي قام بها المصمم العالمي آي إم بي.
البحث مهمة معقدة، تحتاج الى غوص، إلمام بالتفاصيل، نفس طويل، ومقدرة على التحليل. وقبل أن تبدأ اي عملية بحث، يأتي السؤال الذي يجب الإجابة عنه، علينا ان نبحث. والصعوبة تكمن في تحديد السؤال. عماذا نبحث؟ هذا ليس تفصيلا، بل هو جوهر البحث. ويلزمنا دقة عالية لتحديد هذا الشيء، لأن اي سوء تقدير سيأخذنا الى مكان اخر، وبالتالي نتيجة اخرى. وقد لا نعلم ابدا انها مختلفة، الا حين ندرك اننا كنا نسأل السؤال الخطأ.قبل ان يبدأ آي إم بي، المهندس المعماري الصيني- الأميركي تصميم متحف الفن الإسلامي، آخر تصميماته واصعبها، كان لابد له ان يبدأ البحث. والسؤال كان.. عما يبحث؟ بدأ المصمم برحلة بحث عالمية لكي يفهم تأثيرات الثقافة والمناخ في العمارة الإسلامية، وأخذه بحثه الى اسبانيا، الهند، سوريا، تونس ومصر.
ولأن مصمم ال(لوفر) ومبنى (بنك الصين) والغاليري الوطنيش كان يبحث عن جوهر العمارة الإسلامية، فإن ايجاد ما كان يبحث عنه لم يكن بالشيء السهل، الى ان وجد البساطة والتقشف في نموذج السبيل (نافورة الوضوء) في مسجد احمد بن طولون في القاهرة، وانتهت عملية البحث، وبدأ متحف الفن الإسلامي.على بعد 195 قدما من كورنيش الدوحة، وعلى جزيرة خاصة شيد تصميم آي إم بي بمساحة 740376 قدما مربعا، ليكون مركزا للمعلومات والبحث والإبداع ومقراً للحوار والتبادل الثقافي.يتصل المتحف بالبر عبر جسرين للمشاة، وجسر آخر للسيارات، ويتألف من مبنى رئيسٍ من 5 طوابق، وجناح تعليمي من طابقين يتصلان ببعضهما عبر ساحة مركزية، ويصل ارتفاع المبنى الرئيسي المقبب إلى 165 قدماً، وهي اعلى نقطة من الداخل، بينما تصل اعلى نقطة من الخارج الى 207 أقدام.
وترتفع واجهة زجاجية بعلو 148 قدماً على الواجهة الشمالية للمتحف مطلة على الخليخ الغربي للدوحة، إضافة إلى طابقين من صالات العرض الدائمة، صالة عرض رئيسية، ساحتين خارجيتين، مسرح مجهز ل197 شخصاً، قاعة للصلاة، صفوف دراسية ومكاتب، قسم خاص لدراسة الكتب النادرة، مختبر حفظ ومحل كتب وهدايا، مقهى ومطعم 5 نجوم.
استعمل في بناء المتحف انواعا عدة من الحجارة والسراميك، جمعت من مختلف انحاء العالم، كحجر الجير الملون (ماغني وتشاميسون) من فرنسا، وغرانيت (جت ميست) من الولايات المتحدة الأميركية، والفولاذ المقاوم للصدأ من المانيا، إضافة الى الخرسانة المعمارية من قطر.
ثلاث قارات، وثلاثة عشر قرنا وجدت طريقا ومقرا جديدا في خطة لجعل قطر مساهما مهما في الفن العالمي وملتقى فكريا وابداعيا وثقافيا؛ فاحتضن متحف الفن الإسلامي مجموعات فنية عالمية تتألف من 800 قطعة في صالات عرض تلتف حول المبنى المقبب، جمعت الخط والشكل والنمط والعلوم في الفن، وعرضا زمنيا متسلسلا لاكتشاف الفن الإسلامي يشمل فنون القبائل البدوية من اسيا الوسطى (1200-1400م) كالحفر الصيني وزهرة اللوتس.
ومنتجات العهد الأيوبي الفنية كالسيراميك والزجاج والنحاس (1169-1260 م)، واعمال رخامية وكتب من فترة حكم التيموريين لآسيا الوسطى (1400-1600م)، إضافة الى السجاد والمنسوجات التي ظهرت إبان الثورة الفنية الإيرانية (1600-1900م)، ومخطوطات من عهد الإمبراطورية العثمانية (1600-1800م).
تمثل الأعمال المعروصة حقبة كاملة للفن الإسلامي، وبوجودها معا في مكان واحد فهي تختصر تاريخا، وتشكل شاهدا على ارث غني بالابتكارات والمواد والتقنيات. ومن بين القطع الفنية التي تغطي مساحة جغرافية هائلة من بلدان العالم تمتد من اقصى الغرب الى اقصى الشرق، اعمال مميزة، منها نسخة نادرة للقرآن الكريم يعود تاريخها إلى القرن السابع.
وستارة حريرية اسبانية من القرن الخامس، وزوج من السوار الذهبي المصري، وتميمة منحوتة من الزمرد تأتي من الهند مؤرخة في عام 107 هجري، إضافة الى كتاب قيم تم التبرع به، يعود تاريخه الى 450 عاماً، وهو مخطوطة يدوية بعنوان (الشفا في اخبار المصطفى)، وهبة عبارة عن مجموعة استثنائية من 590 قطعة نقدية من النحاس والبرونز والفضة.
وبهدف الإعلان عن افتتاح متحف الفن الإسلامي، والذي تم في الأول من ديسمبر 2008، اطلق القيمون على المتحف حملة دعائية في بريطانيا كونها اكثر المدن اهتماما بالثقافات في العالم ، حيث عرضت الحملة صورة المتحف على 30 سيارة اجرة سوداء. وقد نال متحف الفن الإسلامي (الجائزة البلاتينية للامتياز الهندسي) من المجلس الأميركي للشركات الهندسية، وجائزة الاستحقاق، نظرا إلى إستخدامه المتميز لمادة الإسمنت في البناء.
البحث مهمة معقدة، وعندما نجد ما نبحث عنه ندرك ان التعقيد مرحلة صغيرة جدا في رحلة طويلة. الجواب دائما اصغر من السؤال؛ فالسؤال شامل، والجواب بسيط. تفصيل صغير يفتح ابوابا كثيرة، مليئة بالأجوبة.
ولأن السر يكمن في التفصيل، والجمال في البساطة، يصبح البحث مشوق والنتيجة باهرة، والتاريخ حاضر في (متحف الفن الإسلامي) في قطر.
الدوحة ـ رولا الحسين


