علبٌ فارغة، حقائبُ مبعثرة، نفاياتٌ وقططٌ وفئرانٌ متصارعة.. هكذا كان الوضع أسفل أحد كباري منطقة الزمالك العريقة، المحاطة من مختلف الجوانب بشريان الحياة في مصر، نيلها الخالد.. وفجأة تحول الركام والنفايات إلى واحدة من أنجح المؤسسات الثقافية الأهلية في المجتمع المصري، ساقية الصاوي..
و«الساقية» اسم ذو دلالة، فهي التي تحمل الماء إلى العطشى والأرض القاحلة، لتحيلها خضراء، وتروي احتياجات الجميع على اختلاف أنماطهم وثقافاتهم واهتماماتهم.. ولعل سر تميزها ونجاحها أن القائمين عليها لا يتعاملون مع جمهورها المستهدف برؤية فوقية، إنما يرتقون بثقافة القاع أملاً في الوصول إلى القمة.تُعد أول مؤسسة ثقافية مدنية مستقلة في مصر، أنشئت بعيدًا عن وصاية المؤسسة الرسمية، جاءت بمبادرة رائدة تجسيدًا لصحوة المجتمع الأهلي في الحقل الثقافي، لتنطلق منه إلى أنماط الفنون والآداب.. الأمر بدأ كفكرة راودت محمد الصاوي، نجل وزير الثقافة المصري الأسبق والكاتب المبدع عبدالمنعم الصاوي، وظلت سنوات تُلح عليه بنفس القدر الذي كانت تطارده فيه صورة النفايات والحيوانات الضالة أسفل كوبري 15 مايو بحي الزمالك، كان يتأذى ويستنكر وجود هذه النفايات في منطقة يراها كثيرٌ من المصريين أساس الارستقراطية في وطنهم، وفي يوم ما صرخ «الصاوي» الابن مثلما فعل «نيوتن» قائلاً: «وجدتها»!
عصفوران بحجر واحد
كانت الفكرة الأساسية التي تشغله هي إنشاء مؤسسة ثقافية متحررة من قيود الأفكار والقواعد الحكومية، وكان لا بد من وجود مكان يكون مرجعًا لهذه المؤسسة، وفي الوقت نفسه كان يتأذى ويعاني - مثل كل ساكني وزائري منطقة الزمالك - من تكديس النفايات أسفل الكوبري الذي ينقل الحركة من وإلى المنطقة.. فلماذا لا يضرب عصفورين بحجر واحد ويجعل من هذه المكان مقرًا لمؤسسته؟!
واختياره للمكان يعطي دلالة رمزية على إمكانية البناء والنجاح من القاع وفوق الركام وصولا إلى كل المستويات، إلى القمة.. قرر الاستفادة من ذلك المكان ليجعله مركزًا ثقافيًا تنويريًا يكون بمثابة منبرا للألوان الإبداعية والثقافية كافة، ساعده على ذلك عمله كمهندس معماري يمتلك حسًا فنيًا متقدًا، فلم يضع وقتًا، وعرض الأمر على المسؤولين الذين رحَّبوا بالفكرة على الفور باعتبار أن المشروع سيريحهم من عبء التلوث الذي تسببه النفايات المتراكمة في المكان. يومًا بعد يوم، تحولت النفايات إلى ساحة للفن والجمال، تم إنشاء مركز ثقافي في البداية، وتمكن الصاوي مع أصدقائه من الحصول على قطعة أرض مجاورة للمركز، تطل على النيل، وإلحاقها به وأطلقوا عليها «ساقية الصاوي»، كان ذلك عام 2005.
عراك القطط والفئران والكلاب الضالة التي كانت تمرح في المكان قبل شهور، تحولت إلى موسيقى هادئة تستقبل الزائر، وتكثف حفلات موسيقية وغنائية بعيدة عن الابتذال، منفتحة على مختلف الثقافات، شرقها وغربها، قاعها وقمتها.. لمعرفة ما يمتلكه الآخر من فنون وآداب.. وما يمكن تقديمه إليه.
وبعد 4 أعوام من عمر الساقية أصدرت مجلة ورقية تصدر كل شهرين باللغة العربية الفصحى، تقدم ضمنها وجبة ثقافية متكاملة، وتغطي أنشطتها وأنشطة مراكز ثقافية أخرى.. تواصلت هذا العام لتطلق إذاعة خاصة على الإنترنت تهدف إلى إثراء الحركة الثقافية، وتوصيل أنشطة الساقية من خلال ورش عمل وحفلات إلى عدد كبير من المستمعين داخل مصر وخارجها.. خاصة وقد وضعت الساقية برنامجًا للأطفال أطلقت عليه «سيبوني أفكَّر»، وهو ورشة عمل تم تصميمها لتنمية مَلَكة التفكير والتخيُّل لدى الطفل لتعليمه كيف يكون التفكير نشاطًا ترفيهيًا، بالإضافة إلى حثه على ممارسة بعض الألعاب والتمارين العقلية.
كما وضعت عدة أهداف عملت على تأصيلها وتنميتها، في مقدمتها الحفاظ على الهوية المصرية والعربية، واستئصال الأفكار السلبية من القيم الموروثة واستخدام أفكار أخرى مبتكرة وإيجابية، ووضع مقاييس جديدة لحملات التوعية، وتحسين صورة ثقافة المجتمع المصري عن طريق التركيز على الأجيال الجديدة، ليصبح الابتكار والطموح جزءًا من شخصياتها.
اعتمدت الساقية منذ إنشائها على احترام وجهات النظر المختلفة والانتقادات الموجَّهة ووضعها في الاعتبار، وإتاحة الفرصة لأصدقاء الساقية ومتطوعيها للمشاركة في مهام ثقافية وإنسانية حتى لو كانت بسيطة مثل تنظيم دخول الجمهور من البوابات وتشجيع المواهب الجديدة، وتسويق نشاطات الساقية.
ورغم اهتمام أسرة الصاوي بنشر الثقافة بمفاهيمها المختلفة، فإنها حرصت أيضًا على تنظيم نشاطات ترفيهية ورياضية مثل سباقات السيارات لتوجيه دعوة لممارسة القيادة المنضبطة من خلال الرياضة بدلاً من القيادة المتهورة ، وإقامة مهرجانات الشواطئ للألعاب الرياضية مثل كرة السلة وكرة القدم والتنس، ودعم مسابقات الماراثون والجري لمسافات طويلة، وتنظيم مسابقات رياضية للمدارس وإقامة مهرجانات الربيع التي تؤكد أهمية وقيمة الجمال والفن في حياة البشرية.

