بعيدًا عن الريشة والألوان التي احتكرها رسامو الكاريكاتير حفرالهاوي إبراهيم البريدي لنفسه اسمًا على قوائم المحترفين، بعد أن تشكل وعيه الفني باستخدام تقنيات مختلفة وأدوات بسيطة، عبارة عن أقمشة وخيوط أطلق عليها «مرج خيط» لم يسبقه فيها أحد؛ فمرت على خيوطه وجوه مرحة وأخرى بائسة بعضها حالمة وقليل منها صارمة، اخترق بواطنها وكشف خباياها وباح بأسرارها، فأثارت لوحاته التي أضفى عليها الإبداع إعجاب الجميع.. ولم يكتف بذلك بل هاجم بها أنظمةً لا تعجبه، وفجَّر من خلالها قضايا مسكوتًا عنها، وأكد للجميع أنه قادر على جعل أعماله الكاريكاتيرية ترسم طريقًا آخر لمشاكل يصعب اختراقها..
البريدي، أحد الفنانين الذين يبدعون في أوقات فراغهم بعيدًا عن الأضواء، يفرزون أحاسيسهم بحب وصدق في ظلال وخطوط منغمة وألوان صريحة، ينساب منها أصيلاً، نابعًا من أعماق نقية شفافة لم تتلوث بعلم مكتسب. «الحواس الخمس» التقاه في هذا الحوار، فقدَّم لنا خلاصة تجربته ورؤيته في عدد من الأمور التي تشغل بال عشاق الكاريكاتير ورحلته خلال ال25 عامًا مع الخيوط والقماش ، والى التفاصيل .. يقول البريدي:بدأت أناملي تخربش وترسم في قريتي قبل أن أتعلم كتابة الحروف، ثم في مدرستي الابتدائية أحببت مادة التربية الفنية، ولا أزال أتذكر الطباشير الملون، وكيف رسمت ذيل الفيل في بطنه وأنا مغمض العينين.. وقد لفت انتباهي وأنا صغير أغلفة الروايات المصرية، التي كان يرسمها الفنان جمال قطب، لكني لم أتأثر كي لا أكون مقلدًا لفنان آخر.. وإن كنت لا أخفي مدى إعجابي وانبهاري الشديدين بأعمال الفنانين الكبار، وطرق تعاملهم مع الألوان أو الضوء والظل في رسم الوجوه، لأن الفنان الصادق لا يميل إلى التقليد، وتصنيفه إلى مدارس شيء لا يعنيه، فعليه أن يرسم وينتج ويتلمس أسلوبه الخاص به حسب إمكاناته وثقافته، وعلى المتلقي أو الناقد تصنيف العمل إلى أي مدرسة ينتمي.
أول تجربة... أكثر من ألف وجه رسمه البريدي الى الآن.. للرجال والنساء والأطفال ، كل وجه ولَّد لديه انفعالاً خاصًا، فالملامح- كما يقول- تحكي سيرة ذاتية وصفات إنسانية كالحدة والطيبة والسماحة والقسوة والرعب.. يقول: تناولت الزعماء والعامة والسياسيين والأدباء والشعراء والفنانين والعلماء والصحافيين في لوحاتي التي امتزجت فيها الخيوط بالأقمشة في أول تجربة لرسام كاريكاتيري يرسم علي القماش.. مع العلم بأن العديد من أصحاب هذه الوجوه لا يعلمون أنني رسمتهم. عن بدايته الحقيقية مع هوايته، يحكي أنه حين كان طفلاً صغيرًا في بلدته «قطور» محافظة الغربية، شمال مصر كان يعشق الألوان والرسومات والكتب التي تحتوي على صور كي يرى ما بها ويفعل مثله..وكان لنشأته وسط أسرة بسيطة عاملا مهما في توطيد علاقته بهوايته، كما كان لوالدته دورا مهما في تنمية موهبته، كونها أول من يشاهد فنه منذ أن كان طفلاً حتى بعد أن تخرج في الجامعة، فأثرت عليه هوايته وترك لغة الأرقام والوظيفة المرموقة التي وفرها له أحد أقاربه واتجه إلى القاهرة للبحث عن الذات.. كان يظن أن الطريق سهل في بدايته ولكن تعرض لمشاكل لا حصر لها.
البداية... بدأ البريدي مشواره الفني من قريته برسم بعض الصور الكاريكاتيرية التي جعلت أهل قريته يتعجبون من هذا الشاب الذي طلب من والدته أن تفرغ له المنزل البسيط حتى يحوّله إلى معرض لوحات من الأقمشة والخيوط في وسط مجموعة من الأشخاص البسطاء جدًا، الذين قد لا يفهمون ما يريد أن يوصله إلى أذهانهم، فقد قام بعمل دعوات لكل أهل القرية الذين أخذوا يتوافدون إليه بلهفة، وبالفعل نجح أول معرض له بين أهله البسطاء الذين شجعوه على الذهاب إلى القاهرة بهوايته المميزة. انتقل البريدى بهوايته إلى القاهرة لكنه لم يصل إلى ما يريد بسهولة وعانى كثيرًا، حتى التقى عميد رسامي الكاريكاتير المصريين «مصطفى حسين»، الذي شجعه على مواصلة المشوار حتى أثبت البريدى لكل الفنانين أنه فنان مثلهم ومميز أيضًا بفكرته القادمة، وهي «مرج خيط»، ونال عنها عدة جوائز في مصر والخارج أهمها جائزة تقديرية من مدينة سول بكوريا الجنوبية في مهرجان الكاريكاتير عام 1997.
أما عن أدواته التي يستخدمها في هوايته فهي، كما يقول، بسيطة جدًا لا تزيد على خيط وإبرة وقصاصات وقماش من خامة القطن فقط وبعض قطع الخيش، بالإضافة إلى استخدامه «المنخل والغربال» المصريين اللذين تستخدمهما ربة المنزل في عملها في المطبخ لنخل الدقيق.
أطلق البريدي على هوايته «مرج خيط»، لأنه كان يسكن في مدينة المرج بالقاهرة، ولوجوده بها فترة طويلة قرر أن يكون اسم هوايته على اسم المدينة، وهى الهواية التي بدأت تلقي رواجًا في كل الأوساط والمعارض، وبدأت توجَّه إلى صاحبها الدعوات من الداخل و الخارج مثل بلجيكا ويوغسلافيا وألمانيا وغيرها، وأخذت تنهال عليه الجوائز التقديرية المختلفة.
أخذ البريدي يتوسع أكثر وأكثر، فأقام معرضًا يضم72 لوحة مميزة من القماش والخيش والخيوط التي أبهرت ألوانها كل زوار معرضه، الذين انبهروا بتمسكه بالتراث، فكل ما في لوحاته من القماش والخيط من التراث المصري القديم، ومن أشهرها صورة المزمار المصري وطقوسه والناس والبيوت والطبال والريف وعاداته وتقاليده، حيث يشعر كل من يرى اللوحات أنها تتحدث عن المصريين بالفعل، أما ثاني معرض فكان في مركز سعد زغلول بالقاهرة وكان من الخيش فقط وكان يدور حول رجل العرقسوس وعازف العود وبنت بحري وعازف الربابة، ووجد ترحابًا كبيرًا لأن الزوار شعروا بأنه يقدم فكرة جديدة مميزة عن التي سبقتها يبرز فيها هوايته.
منخل وغربال
أطلق البريدي على المعرض الثالث اسم «منخل وغربال»، وكانت كل لوحاته من خامات المنخل والغربال المصريين فقط، وأظهر به «عميد العود» والرقصات النوبية والذكر والطيور والأطفال ولاقى إقبالاً شديدًا، وقد افتتحه فنان الكاريكاتير مصطفى حسين وعدد كبير من الشخصيات البارزة في الدولة من المثقفين والكتاب وعشاق الفن المصري، الذين أكدوا عند حضورهم أنه فن مميز استطاع صاحبه باستخدام المقص والقماش والإبرة إنجاز أعمال تتميز بالروعة الشديدة..
وبعدها توالت المعارض، وكان آخرها معرضًا في جامعة الدول العربية على هامش مهرجان لغة الطفل العربي من عصر العولمة ,2007. وكان معظم اللوحات يدور حول الأراجوز ونطة الحبل ولعبة الاستغماية المصرية ولاقت إعجابًا كبيرًا.
تراث
وعن أسباب اتجاهه إلى هذا النوع بالذات من التراث يقول البريدي: أنا من أبناء الريف المصري القديم، وهناك ما يؤثر عليّ من جمال الطبيعة المصرية والفلاحة كربة منزل وأم، وطباع المصريين وعاداتهم وتقاليدهم التي تجري في دمي، فبيني وبينها عشق جميل، حتى إنها ظهرت في عملي وهوايتي، فكان هذا مخزونًا ثقافيًا لا أستطيع التحرر منه أو تغييره بسهولة، كما أنها الهواية الأولى من نوعها في مصر فليس هناك منافس لي، لأنني أنا الذي أعلم الناس هذه الهواية حاليًا لبعدها عن الألوان والقلم.
مواقف صعبة
وعن أصعب المواقف التي واجهته في بداية مشواره الفني يقول: عندما كنت أحضر إلى القاهرة و أنا صغير بمبلغ ضئيل من المال يكاد يكفي مواصلاتي فقط، وكانت لوحاتي كبيرة الحجم تحتاج إلى سيارة أجرة في الذهاب والعودة، فكنت آخذها في سيارة في الذهاب، ولكن إذا لم تُقبل أو تُبع أضطر لرميها في أي مكان؛ لأني لا أستطيع العودة بها في سيارة.
وبسؤاله عن اهتمامه بنشر فن الكاريكاتير على القماش من عدمه يقول: عملت العديد من ورش العمل وتعلّم الكثير، لكن لم يستطيعوا أن يكتسبوا نفس المهارة أو ينجحوا بها بشدة وجدارة، عدا والدتي السيدة الفلاحة التي لم تتعلم، والتي تبلغ من العمر 75 عامًا فقد تعلمت ووصلت إلى أنها جمعت العديد من قطع القماش المستعملة والخيوط والخيش المختلفة، وكونت منه معرضًا وقامت بعرضه بساقية الصاوي لينبهر به الجميع.



