صاحبة أحد الأسماء البارزة في مونتاج النيجاتيف، عشقت هذه المهنة بروح الهواية وعمرها لا يتعدى 16 عامًا، بعد أن تغلغلت جيناتها وراثيًا من والدها المونتير كمال فهمي، الذي اعتادت الذهاب معه إلى الاستوديو، فتعلَّمت منه الإحساس بالمسؤولية في مهنة تُعتبر العمود الفقري للفيلم، وحالفها الحظ بالعمل مع كبار المهنة أمثال رمسيس نجيب ورشيدة عبدالسلام، وبَنَتْ لنفسها تاريخاً جمعها بثلاثة أجيال، بدءاً من حلمي رفلة و نيازي مصطفى و حسين كمال وعاطف الطيب، مروراً بجيل محمد عبدالعزيز وأحمد يحيى، وصولاً إلى أحمد نادرو مروان حامد وخالد يوسف.. فأكدت حرفيتها أن كثيرًا من النجوم الحقيقيين يقفون خلف الكاميرات لا أمامها.
على النقيض من والدتها التي كانت تسأم كثيرًا من حالة الفوضى التي يسببها الوالد كمال فهمي، بسبب تحويله جانبًا كبيرًا من البيت إلى استوديو تتكدس فيه مختلف الآلات والصور والأدوات المرتبطة، كانت الابنة الصغيرة «ليلى» مبهورةً بهذا العالم الغريب الفريد، شغوفًة بمتابعته عن قرب..
ولم يكن من الصعب على الوالد أن يلاحظ هذا الشغف المبكر، لذا حرص على أن يدعم عشقها السينمائي، فسمح لها بأن ترافقه في الاستوديوهات وغرف العرض السينمائي، ما أسهم في تشكيل شخصيتها، وحتى السادسة عشرة من عمرها كان الأمر في نظر الأب مجرد فضول ستنصرف عنه حينما تملُّه كأي مراهقة يجذب أمرٌ ما انتباهها ثم تتحول عنه، إلا أن ذلك لم يحدث، بل تزايد شغفها وتعزَّز بطلبها احترافه.
ألف باء
حين سألناها عن البداية، ولماذا فضلت أن تكون خلف الكاميرا وليس أمامها، كما يطمح الجميع، أراحت ظهرها على المقعد وأمالت رأسها إلى الخلف، وقرنت ذلك بتنهيدة مَنْ يمر بحلم جميل، قبل أن تقول: وُلدت بشارع رمسيس بالقاهرة، وتعلَّمت بمدرسة فرنسية شهيرة، وكنت أنتظر يوم إجازتي حتى أذهب مع والدي إلى الاستوديو لمشاهدة ما يحدث داخل هذا العالم المثير، لم يكن يحبذ دخولي هذا المجال، خاصةً مع حداثة سني، لكنني بدأت أتودد إليه ليخبرني بما يفعل.
. أقنعته أنني سأساعده فقط في الإجازة الصيفية، كان عمري وقتها 12 عامًا، فأسند إليَّ كتابة الأرقام ولفَّ النيجاتيف، وأثبتُّ مهارة بالغة في هذا الأمر، ومع الأيام وجدتني أعيش بأحاسيسي في هذا العالم الذهبي، تربيت وسط نجوم وعمالقة الفن، وحينما أدرك والدي تصميمي على احتراف مهنته حدّد أمامي ما يشبه خارطة الطريق للنجاح في هذه المهنة، فأرشدني منذ أولى خطواتي الاحترافية فيها إلى مخاطرها وأسرارها وفنياتها، وكيفية الإبداع فيها.
وكان أهم ما زرعه بداخلي هو الإحساس بالمسؤولية.. أيضا أدين بالفضل لأساتذة كبار من أصحاب الاستوديوهات الموجودة بشارع رمسيس، وكان غالبيتهم من الخواجات والأرمن، الذين ساعدوني بإخلاص في معرفة أساسيات النيجاتيف وفنياته، التي يجهلها كثير من أساتذة معهد السينما حتى الآن.
نجمة الظل
كثيرون، خاصةً في شبابهم، يسعون للوقوف أمام الكاميرا ليبرزوا نجوميتهم ويحققون الشهرة التي تختصر الطريق أمام أحلامهم العريضة.. وكانت الفرصة لتحقيق ذلك أمام (ليلى) مُيسَّرة، لكنها فضلت أن تحقق نجوميتها من وراء الكواليس، وحين سألناها عن نجومية الظل التي اختارتها طريقًا لنفسها قالت: عُرض عليَّ التمثيل من كبار المخرجين والمنتجين والفنانين، الذين أكدوا أنني وجه سينمائي أصلح لجميع الأدوار، إلا أنني رفضت لشدة خجلي ولكوني انطوائية، أحب العمل كثيرًا لكن بعيدًا عن الأضواء، حتى إنني كنت أخرج من منزلي صباحًا إلى العمل ويمكن أن أعود في نهاية اليوم دون أن أتحدث مع أحد نهائيًا.. وقررت أن أثبت كياني في هذا المجال وأتفرَّد فيه..
وقد جاءتني الفرصة الحقيقية لذلك حينما كان عمري 20 عامًا، وقتها سافر والدي إلى لبنان للتجهيز لفيلم «آه من حواء» من إخراج رمسيس نجيب، وسافرت معه بعد إلحاح، وطلب مني أحد المونتيرات القيام بعمل نيجاتيف للفيلم؛ أصابني خوف شديد من أول تجربة حقيقية، إلا أنه شجعني على خوضها وحدي دون مساندة من والدي، وبالفعل أنجزت العمل على أكمل وجه من وجهة نظري، إلا أن المخرج اكتشف خطأً بسيطًا فقام بخصم 25 جنيهًا من المكافأة المقررة لي وهي 100 جنيه.
ورفض محاولات طاقم العمل إثناءه عن ذلك، حتى لا أعود لمثل هذا الخطأ مرة أخرى، لكن عندما شاهد أدائي وطريقتي في إنجاز الفيلم وتدارك الخطأ ضاعف مكافأتي، وشجّعني على الاستمرار قائلاً: «صحيح.. ابن الوز عوّام».
عقل حاضر
وعن المواصفات التي عزّزت تميّزها كمونتيرة محترفة، قالت: عملي تحديدًا يعتمد على الهدوء والنظام والمسؤولية وقوة الملاحظة والعقل الحاضر والذاكرة، التي ترصد كل ما تشاهده العين، وهذا هو سر نجاحي، فضلاً عن انفتاحي على كل المدارس الفنية، حيث تربيت على أيدي نجوم كبار مثل صلاح ذوالفقار، فطين عبدالوهاب، حلمي رفلة، رشدي أباظة، والمصوِّر علي حسن.. وعملت أيضًا مع عمالقة فن المونتير بدايةً من ألبير نجيب و سعيد الشيخ و حسن عفيفي وحسين أحمد وأحمد عبدالعزيزو فكري رستم وفتحي قاسم ورشيدة عبدالسلام.. ما يعني أنني عايشت ثلاثة أجيال.
