لغة الصم و البكم ليست إشارات وإنما مشاعر نبيلة يجب أن تتوافر في كل من يتعامل مع هذه الفئة التي تحيطها الأسرار.. فمشكلة ذوي الإعاقات السمعية تتفاقم عندما يجدون أنفسهم في معزل عن المجتمع، يشعرهم بالغربة.. فالهدف الأول للجمعيات التي ترعاهم هو كيفية دمجهم في المجتمع، فهم يتمتعون بقدرة على التعبير عن مشاعرهم الفياضة، تعكس لغة إحساسهم التي يفهمها مترجمو الإشارات عن حياتهم ومشاكلهم وأسرارهم.

. هذا ما أكده الشاب الإماراتي محمد حسن أهلي معلم ومترجم لغة الإشارة.. وليس هذا فحسب بل إن شغفه بتلك اللغة دفعه الى تعليمها لزوجته فاطمة المناعي و يستخدمانها أحيانا، كشفرات، خاصة في الجلسات العائلية حينما لا يودان معرفة الآخرين بما يتحدثان عنه.. وهما يشكلان ثنائيا رائعا في نادي دبي للرياضات الخاصة بمشاركتهما طوعا في شتى الأنشطة.. التقينا محمد أهلي وكان الحوار التالي ..كيف كانت بدايتك في تعلم لغة الإشارة؟ جذبتني لغة الإشارة وأنا في السابعة من عمري، وذلك من خلال شاشة الشارقة التي كانت تخصص مترجما للغة الإشارة لبعض البرامج ونشرات الأخبار.

ولكن الذي شجعني لتعلمها أكثر أحد أقربائي وهو عبدالله أهلي، خاصة أنه يعاني من إعاقة سمعية.. فبدأ بتعليمي الحروف، والأرقام، وأيام الأسبوع وكل الأساسيات بلغة الإشارة. ولله الحمد أتقنتها، فكان هذا لي خير دافع لمواصلة مشواري في تعلم باقي الأمور.

هل من صعوبات وجدتها في تعلم لغة الإشارة؟

مطلقا.. لأن السهولة تكمن في مداومة ممارسة هذه اللغة مع فئة الصم.

علمت زوجتك لغة الإشارة، فما مدى تقبلها؟

تقبلتها كثيرا، وأتقنتها بسلاسة.. ومن المواقف الطريفة التي أود ذكرها من خلال هذا السؤال أنه حينما نكون في جلسة عائلية مع أقاربنا أضطر معها أحيانا للتحدث بلغة الإشارة حيث لا يفهمها غيرنا.. وهذا ما يحدث أيضا حينما نكون في السيارة ويتواجد معنا بعض أفراد العائلة.. كما أنسى أحيانا وأتحدث مع والدتي بلغة الإشارة التي تجهلها تماما، وترمقني بنظرات كلها اندهاش واستغراب ممزوجة بابتسامة !

ماذا عن تواجدك الدائم في نادي دبي للرياضات الخاصة؟

بصراحة فإن تواجدي في النادي أوصلني لمراحل متقدمة في ترجمة لغة الإشارة، من جانب آخر فإنني أسهم بشكل كبير في تحقيق اندماجي الإنساني مع هذه الفئة بشكل رائع وجميل.. كما أقوم بترجمة ما يودون قوله من خلال مرافقتي لهم في الأنشطة المجتمعية والرحلات.

حدثنا عن العاطفة لدى الصم؟

هم يملكون مشاعر وأحاسيس عميقة وقوية ومنهم شديد الإحساس والتأثر.. لذلك نجد أكثرهم سريع الزعل و سريع الرضا بأشياء قليلة «تطيّب خاطره» المهم بأسلوب مهذب يبعد عن السخرية و الاستهزاء وهي أمور يجب أن يعلمها معلم الإشارات.

ألا تعاني في التعامل مع هذه الفئة، خاصة و أنه يظهر على وجوههم أحيانا علامات العصبية لدرجة تصل إلى العدوانية؟ألا

أحيانا، ولكني أحاول التخفيف عنهم بقدر المستطاع..

فمن الطبيعي أن تحمل عواطفهم شيئا من العصبية لعدم استطاعتهم التعبير بسهولة بالكلام مثل الإنسان العادي، وهذا يحدث في معاملتهم مع شباك التذاكر في المواصلات العامة، أو المستشفيات، أو المطاعم، واللوم يعود علينا نحن الأسوياء لأننا بعيدون عنهم ولا نحاول معرفة أي شيء يخصهم من تعليم الإشارات التي يعرفونها لكي ندمجهم في المجتمع.

من خلال اندماجك مع هذه الفئة، ما الذي تحتاجه؟

يحتاجون لإعداد مترجمين لهذه اللغة في المجال القانوني، وأيضا زيادة أعداد المترجمين من أجل مواكبة التوسع في ترجمة البرامج التلفزيونية في المجال الديني، إلى جانب البرامج الرياضية، علاوة على قوانين الدولة.. وشخصيا آمل التوسع في تنظيم الدورات التدريبية لتشمل موظفي الدوائر من مختلف المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص.. وتحقيق كل تلك الأمور السالف ذكرها تصل بالصم إلى المستوى الذي يجعلهم قادرين على مجابهة معترك الحياة بثقة واقتدار.

وهل بعض البرامج التي تعرض مترجما للغة الإشارة تسد احتياج الصم؟

أبدا.. فأمنياتهم أن تُخصص لهم قناة فضائية تبث برامج متنوعة، ويديرونها بأنفسهم، ويشاركون في إعداد برامجها وعرضها، بعيدا عن الاكتفاء بإحضارهم كمجرد ضيوف مشاركين في المواد الإعلامية المطروحة.

ما أهمية تعلُم الأسوياء لغة الإشارة؟

يؤدي هذا الى سهولة وسرعة الاندماج مع هذه الفئة.. وشخصيا نظمت دورتين لتعليم لغة الإشارة، ولا مانع لدي في تنظيم دورات أخرى في الدوائر الحكومية إن رغبت بذلك.. واسمحي لي أن أذكر تجربة بعض الدول الغربية في تخصيص حصص دراسية لطلبتها الأسوياء لتعليمهم لغة الإشارة..

وكانت النتائج مذهلة، منها رغبة الطلاب الحقيقية وحماسهم لتعلمها حيث وجدوها مشوقة أكثر من غيرها من المواد، الأمر الذي يعكس لديهم الثقة بالنفس أكثر من ذي قبل، كما أصبح بعض الأطفال يتواصل مع من يعرف من أبناء جيرانه وأقاربه من الصم، وحدث تغير إيجابي كبير جدا في علاقاتهم، ويا حبذا لو تم تطبيق مثل هذا القرار في مدارس دولتنا.

ولكن ألا ترى صعوبة في إطلاق قناة خاصة بالصم؟

لا.. لأنها فئة استطاعت بالعزم والتصميم تحدي الإعاقة لتكون منتجة ومبدعة في العديد من الميادين، كما نفخر دائماً وأبداً بإخواننا وأخواتنا من هذه الفئة عندما نراهم في مختلف ميادين العمل.

وبالتالي فإن أبسط ما يمكن تقديمه لهم أن نجعل اتصالهم بجهازهم الإعلامي فعالاً، لكي تتاح لهم الفرصة في متابعة العديد من الأمور التي تعنى بحياتهم، فالشكر لجميع المهتمين، ليس فقط على إظهار لغة الإشارة عبر بعض قنواتنا المحلية، وإنما أيضا على التكاتف الذي نراه ماثلا للعيان في كافة ميادين العطاء في هذا الوطن المعطاء.

دبي ـ جميلة إسماعيل