هل تخيلت سيدة الغناء العربي أنها ستعود بعد 26 عاما من رحيلها إلى النيل الذي أحبته وطالما تغنت به وعاشت غالبية عمرها على ضفافه في فيلتها بحي الزمالك غرب القاهرة، لكن هذه المرة في الجانب الشرقي من النيل، وتحديدا في جزيرة الروضة، في متحف صغير لا تزيد مساحته عن 250 مترا، ضمن قصر أممته حكومة الثورة، وهو قصر المانسترلي الأثري الذي يعتبر تحفة معمارية تشرف على مساحة 1000م2.

مفارقة غريبة أن تتناثر بعض الإكسسوارات والمتعلقات الرمزية لقامة فريدة من نوعها بحجم أم كلثوم التي ملأت الدنيا فنا وإبداعا، شرقا وغربا، فشعت سيرتها بعطر عصر كامل من الغناء العربي الأصيل.. فتتذكرها الدولة بعد 26 عاما من الرحيل بمتحف صغير لا يكاد يتسع لعدد من الزائرين.. لكن، وعلى الرغم من ذلك، لا يخلو اختيار المكان من لمحة ذكاء.. ففي الغرب تبدو أشباح الأهرام الثلاثة بعيدة، وفي الشرق تظهر سلسلة جبال المقطم، وبالقرب من المتحف مقياس النيل، أقدم أثر إسلامي بعد جامع عمرو بن العاص.

أضواء خافتة أول ما يواجه الزائر لمتحف أم كلثوم الذي افتتح في28 /12/2001، حافظة زجاجية تضم نظارتها المطعمة بالألماس ومنديلها الذي كانت تضمه بين يديها أثناء الغناء، واشتهرت به.. وتضفي الأضواء الخافتة والألوان الداكنة للجدران جوا من الرهبة على تجوال الزائر، وعلى الرغم من قلة المعروض في الحوافظ الزجاجية حيث يكاد يكون مجرد عينات، بينها 3 أزواج من الأحذية و3 حقائب حريمي، و8 فساتين تنتمي لطراز واحد، والعود الذي كانت تحبه، ومفكرتان يوميتان لعامي 1954و1964 مفتوحتان على صفحتين تضمان حسابات مجهولة، فضلا عن بعض الأوسمة والنياشين والأنواط، منها قلادة النيل، أعلى وسام مصري، التي أهداها لها جمال عبدالناصر، وكذلك جواز سفرها الدبلوماسي برقم 1534، وقصائد وأغان لعدد من أبرز الشعراء.

وكذلك مفكرة صغيرة تضم الصفحة المفتوحة كلمات بالفرنسية ومقابلها بالعربية، بالإضافة إلى بعض الأسطوانات المتناثرة ومسجل وراديو وميكروفون أهدته الإذاعة إلى المتحف، وسجلت عليه أم كلثوم عددا من أغانيها الشهيرة. كما يضم بعض الكتب القليلة عن سيدة الغناء العربي، وببليوجرافيا عن أبرز أعمالها وبعض النوتات الموسيقية..

وعلى الرغم من ندرة المقتنيات وضيق المساحة، فإن جمال الموقع الذي يشرف على النيل مباشرة ربما يغفر ذلك التقصير، النيل الذي غَنَّتْ له أم كلثوم رائعتي شوقي وبيرم، وعاشت على ضفافه أجمل الذكريات، فلم تكن أم كلثوم مجرد مغنية أو مطربة ظهرت لتطربنا وتشجينا ثم تذهب إلى طي النسيان، بل كانت ولاتزال ظاهرة فنية واجتماعية وتاريخية وسياسية من النادر أن تتكرر أو يظهر لها مثيل، فساهمت في ذوبان الخلافات العربية، وما أكثرها! خاصة أثناء حفلتها الشهرية التي كانت الحياة تتوقف في الجسد العربي ولا تتحرك إلا معها.

كانت أم كلثوم التي تمر بعد أسابيع ذكرى وفاتها الخامسة والثلاثين- رحلت عن دنيانا يوم الثالث من فبراير عام 1975- عاشقة للنيل، تغنت به كثيرًا، ومع هدم فيلتها، فقدنا كثيرا من مقتنياتها وأثاثها ومحتويات كثيرة كانت شاهدة لحياة وعصر أم كلثوم، وتعد المقتنيات المعروضة في متحفها الحالي مجرد عينات تحكي جزءًا من مسيرة حياتها.

وليس المسيرة كلها، فمن ذلك مجموعة من الأوسمة والنياشين التي حصلت عليها من مصر وعدد من الدول العربية، فكان أول وسام حصلت عليه عام 1944 من الملك فاروق، وبعده حصلت على لقب صاحبة العصمة، كذلك عدد من الدروع منها درع اتحاد طلبة جامعة الكويت المهدية إليها تكريمًا وتقديرًا لمكانتها. وكذلك مجموعة من إكسسواراتها الخاصة مثل البروش الذي كانت ترتديه في عدد كبير من حفلاتها.

كما يضم المتحف مكتبة سمعية وبصرية تعمل بأحدث الوسائل الإلكترونية لتقدم ما يطلبه الزائر أو المتخصص في الفن من أغانيها التي تصل للمتلقي بالصوت والصورة، أما عن الصور فهناك العديد من صور أم كلثوم في مناسبات مختلفة تبدأ بصورة والدها، ثم صور لها في مراحل عمرية مختلفة، كما يضم المتحف قاعة سينما صغيرة تعرض لقطات تسجيلية عن حياتها تنتهي بتسجيل لجنازتها المهيبة مع عرض فيلم تسجيلي كامل تم إنتاجه خصيصًا للمتحف.

فكرة قديمة

بعد هذه الجولة السريعة داخل المتحف، التي اصطحب «الحواس الخمس» خلالها مديره د. وليد شوشة، رئيس قسم النقد الموسيقي بالمعهد العالي للنقد الفني في أكاديمية الفنون، الذي أشار إلى أن علاقته بأم كلثوم بدأت منذ الصغر، حيث عشق صوتها مثل معظم شعوب العالم العربي، وقد ازدادت هذه العلاقة والترابط مع صوت أم كلثوم بعد دراسته مجال النقد الموسيقي، حيث تعرف إلى فنيات أدائها ومواطن القوة في صوتها، خاصة أنها تعتبر صاحبة أندر الأصوات التي صادفتها الإنسانية، موضحا أنه تولى إدارة المتحف منذ عام 2004 كثاني مدير للمتحف بعد الفنان أحمد عنتر.

دبي - عبادة إبراهيم