خير.. اللهم اجعله خيراً، هكذا يقولون قبل الخوض في تفاصيل الأحلام، والحقيقة أن الأحلام من وجهة النظر النفسية هي من الظواهر الصحية المهمة لاحتفاظ عقلنا بلياقته أثناء النوم حتى لا يتكاسل حين نعود إلى اليقظة.
وكان بعض الشعوب تعتبر الأحلام دلالات مستقبلية على أشياء ستحدث على مستوى الفرد أو الجماعة، وكان بعضهم يرى فيها أنها رسائل تأتي من بعيد، أشبه بالتخاطر أو المشاعر المنتقلة، وهناك من كان يقدس مدلولات الأحلام ويصنفها على أنها رؤى تحمل رسائل واجبة التنفيذ. كان هذا سائداً حتى خرج فرويد، الذي أعطى تحليلات منطقية إلى حد ما لمشاعر الناس وعلاقاتهم، وحتى الأحلام؛ فحسب نظريته للوصول إلى اللاشعور، والتي يرى من خلالها أن الأحلام مستودع للدوافع والرغبات المكبوتة.فرويد يقول كلاما منطقيا وجميلاً، ولكنه غالبا كان يصعب على الجميع استيعاب كلامه، خصوصا من الذين يريدون تفسيرا علميّا لكل شيء، أو الذين لا يفهمون السرد الأكاديمي ولا يحبذونه.
وقد لخصت الكثير من الدراسات ظاهرة الأحلام المتكررة، وما هو تفسيرها وما هي ديناميكة حدوثها من الجانب البيوفزيكالي، والكيميائي في المسألة. ومن خلال نظرة سريعة نقول إن الحلم المتكرر يقوم بتفريغ الذاكرة، ويحدث بشكل غير منتظم، ليس بالضرورة أن يكون كل يوم بالقدر نفسه، وليس بالضرورة أن يكون بالدرجة والحدّة نفسيهما، أو متشابها من شخص إلى آخر يخضع طبعا لطبيعية الحياة، ومدى الإجهاد الذي يتعرض له الجسم، و كمية المعلومات التي يتم تخزينها، ومن ضمن ذلك أيضا الرغبات العاطفية والجنسية التي تؤثر في نسج المشاهد وتداخلها عند تفريغها لذلك تختلف الأحلام، و ما يتعرض له الشخص أثناء النوم حسب كفاءة جهازه العصبي.وقد لوحظ من خلال الاسئلة التي طرحت على الاشخاص بخصوص الاحلام المتكررة أنها وجدت بتوقيت كان بالشهور، او بالسنين؛ وبعضهم كان يعاني تكرر الحلم منذ سنوات طويلة دون ان يجد له اي تفسير.
لينا طالبة جامعية تحدثت عن حلم بدأ معها منذ دخولها المرحلة الثانوية ولايزال الحلم يتكرر منذ ما يقارب عام ونصف العام، حيث ترى نفسها فوق قمة جبل وتسقط وتشعر بألم السقوط، وتستيقظ يوميا وهي مفزوعة، حتى إنها تتفحص نفسها من شدة الألم.
احمد المشهداني، موظف تحدث لنا عن نوع الاحلام التي يراها وهي سريعة التحقق، ويرافقه هذا الموضوع يوميا؛ اي منذ سنين، ولا تزال هذه الاحلام الى الآن.
وليد احمد، موظف، اخبرنا عن حلم يرافقه منذ العام 2005 وهو انه يطير ولايمشي على الارض. الشيء الغريب في الموضوع ان هذا الحلم اختفى عندما قرر العمل خارج بلده، وعندما يقوم بزيارات الى بلده يعود هذا الحلم له ثم يختفي بمجرد عودته الى عمله.
يقول الدكتور علي الحرجان عن هذه الظاهرة: لا يوجد حلم متكرر من فراغ، ويتم الحلم المتكرر عادة على أحد مستويين؛ الأول هو استدعاء بعض الأحداث التي مرت بنا خلال اليوم، أو الأشياء التي تشغل بالنا قبل النوم مباشرة . وهنالك العديد من التفسيرات التي تؤثر في أحلام الإنسان، وذلك من خلال معيشته يومه والأحداث التي يمر بها خلال اليوم، ويكون الحلم كمرآة تعكس أحداث هذا اليوم في ذاكرة الإنسان.
أما المستوى الثاني فإنه أعمق ويتضمن الأفكار والرغبات والصراعات الكامنة في العقل الباطن من قبل، والأشياء التي تظهر في أحلامنا عادة هي تعبير عن رغبات مكبوتة لا نستطيع إظهارها للآخرين في الواقع، أو بعض التطلعات والأمنيات التي ليس بمقدورنا الوصول إليها عملياً، وتكون الفرصة متاحة أثناء النوم للتنفيس عن هذه الأشياء، وهي من محتويات العقل الباطن بما يحقق لنا الإشباع الذي نعجز عنه في الواقع أثناء اليقظة .
ويضيف أن الأحلام ليست ظاهرة مرضية على الإطلاق، بل على العكس من ذلك، فإنها من وجهة النظر النفسية تعبير عن حالة الصحة النفسية المتوازنة، لكننا بحكم ممارسة الطب النفسي نلاحظ أهمية الأحلام في شكوى المرضى المصابين بالاضطرابات النفسية المختلفة مثل القلق والاكتئاب والفصام. فالكوابيس هي إحدى الشكاوى الرئيسية لمرضى القلق، حيث تحول نومهم إلى معاناة أليمة، لأنها دائماً تدور حول أحداث مخيفة تسبب الإزعاج. وفي مرضى الاكتئاب أيضاً تحدث الكوابيس بصفة متكررة أثناء النوم ويكون محتواها في كل الأحوال أحداثا تبعث على الاكتئاب فيصحو المريض من نومه، ويستقبل يومه وهو في أسوأ حالاته النفسية.
أما الحلم المتكرر من وجهة نظر التحليل الفلكي، فأخبرنا الخبير والمحلل الفلكي السيد الألوسي أن التأثيرات الفلكية دورا كبيرا في حصول بعض الاضطرابات التي تصيب الإنسان، لكنها لا تتدخل فيما يخص الأحلام، أو التي تأتي الشخص؛ فهي بعيدة كل البعد عن التأثيرات الفلكية، لأنها تعود إلى عامل نفسي تحليلي يخص دماغ الإنسان.
وأخيرا فإن الأحلام ظاهرة صحية تفيد في الاحتفاظ بالتوازن العقلي والصحة النفسية، وعلينا ألا نجتهد في البحث عن تفسير لأحلامنا الغامضة المزعجة؛ فإذا حلمت بأنك تقتل زوجتك مثلاً فلا تفعل ذلك لأن حلمك قد يكون انعكاساً لمتاعبك معها قبل أن تنام. ويقول الطب النفسي حول الأحلام إننا يجب أن نتفاءل بالأحلام السعيدة، ولا نهتم بالأحلام المزعجة، ويتفق ذلك مع المنظور الإسلامي للأحلام.
دبي- ناهد حمود


