لم يكن وصف بعض المطربين العرب لما يجرى على الساحة الغنائية من تعسف بعض المنتجين وإصرارهم على احتكارهم إلى الأبد بأنه «سوق نخاسة» أمرًا مبالغًا فيه. فالمتابع لما يحدث على الساحة الغنائية في مصر يجد الأمر أكثر سوءًا. فبات طبيعيا تفجر الصراعات من آن لآخر بين شركات الإنتاج والمطربين يتبعها تبادل عبارات السب والقذف قبل أن توضع كلمة النهاية داخل ساحات القضاء.
القائمة تضم عددا كبيرا من المطربين، بعضهم نجوم أصحاب مواهب حقيقية، يعانون قمع الاحتكار، وآخرون يتم تبادلهم بين شركات الإنتاج، ثم فريق ثالث من المطربين الشباب لا يعلمون مصيرهم فى سوق الكاسيت المتغيرة، التي لا يعرف أحد ما القوانين التى تحكمها ، هل رؤوس الأموال أم النفوذ أم العقد الذي يحكم العلاقة بين الطرفين؟بقراءة صفحات ملف الخلافات على الساحة الغنائية، يتبين منذ الوهلة الأولى أن العلاقة بين المطرب ومنتجه في الماضي كانت علاقة ود وقصص نجاح مشترك، ثم سرعان ما تحولت خلال السنوات الخمس الماضية من علاقة ود إلى علاقة عنوانها الصراع والتخاصم في أقسام الشرطة وساحات المحاكم، ولعل آخر تلك الخلافات وأشهرها خلاف المطرب تامر حسني مع منتجه نصر محروس، ومحاولة حسنى فسخ تعاقده مع مكتشفه ومنتجه الأول، ثم التعاقد مع المنتج محسن جابر، صاحب شركة عالم الفن.
سميرة..حسام.. رامي
ولم تكن المطربة سميرة سعيد بعيدة عن مسلسل الخلافات بين المطربين والمنتجين، بعدما أنهت تعاقدها مع محسن جابر، مفضلة إنتاج ألبومها الجديد على نفقتها.. أما رامي صبري فيعانى عدم اهتمام منتجه طارق العريان بموهبته ولا بمتابعة ألبومه الأخير الذي طُرح في الأسواق بعد عدة تأجيلات تسبب فيها العريان، إضافة إلى عدم اهتمامه بمتابعة توزيع الألبوم مع إحدى الشركات التي تتولى ذلك.
وعلى نفس القائمة يأتي اسم المطرب حسام حبيب، حيث يعانى نفس الأزمة تحديداً مع إحدى الشركات التي لا تكترث بتوزيع ألبومه داخل وخارج مصر، إضافة إلى إصرارها على عدم ظهوره فى أى برامج أو إجراء أى مقابلات صحافية إلا بعد الحصول على إذن مسبق منها.
ولم تتوقف صراعات المنتجين والمطربين عند هذا الحد، بل سبقتها مشكلات كبيرة كان بطلها الأساسي شركات الإنتاج، وعلى رأسها شركة فري ميوزيك لصاحبها نصر محروس الذي خاض صراعات مختلفة مع مطربي الشركة، وفى مقدمتهم شيرين عبدالوهاب قبل أن تنتقل إلى روتانا، وأيضاً بهاء سلطان الذى تصاعدت الخلافات بينه وبين محروس.
قمر والزغبي
أيضا كان لشركة عالم الفن باع طويل فى خلافاتها مع نجومها، بداية من مصطفى قمر الذى رفض احتكار محسن جابر أغنياته على قناة مزيكا، ثم نوال الزغبى التى تركت الشركة لأنها كانت ترى نفسها الأحق بجائزة الميوزيك أوورد، التي قامت الشركة بترشيح لطيفة لها بدلاً منها، أما شركة ميراج فكان للمطرب لؤى معها رحلة معاناة طويلة ومع صاحبها سامح عادل الذى اتبع معه مبدأ التجميد لنشاطه الغنائي، ولم ينتج له إلا ألبومين فقط طوال 6 سنوات احتكار، مما اضطره للانفصال بعد وصول ملف الصراع إلى ساحات المحاكم.
حساب خاص
وإزاء استمرار هذه الخلافات وتصاعدها، لم يجد فريق من المطربين سوى الاعتماد على نفسه فى إنتاج ألبوماته ثم السعي للبحث عن شركة إنتاج تتولى توزيع الألبوم بنسبة مشتركة بينهما، ومن أوائل المطربين الذين سلكوا هذا الطريق المطرب خالد سليم، الذي قام بعد إنتاج ألبومه الجديد «كان فين» بالبحث عن شركة إنتاج لتتولى توزيعه، وكذلك فعل المطرب سامح يسرى، ومن بعدهما مصطفى قمر الذي انتهى أيضًا من تسجيل ألبومه الجديد، الذي يحمل عنوان مصطفى قمر، كذلك فعل المطرب حاتم فهمي الذي يبحث حاليًا عن شركة إنتاج لتوزيع الألبوم.
فنانون يقلدون المطربين
وعلى غرار المطربين قام بعض الفنانين بعمل ألبومات وإنتاجها على حسابهم الشخصي، ومن هؤلاء سمية الخشاب في ألبوم «عاوزاك كده»، الذي أنشأت شركة لتوزيعه، وأيضًا لقاء سويدان التي أنتجت ألبومها على حسابها الشخصي، كما تقوم حاليا الفنانة الأردنية صفاء سلطان، بطلة مسلسل قلبى دليلى، بإنتاج ألبومها بنفسها، وتبعتها الفنانة بشرى، التي تعاقدت مع شركة ميلودى لتوزيع الألبوم، كما سبق وأنتجت المطربة المغربية ليلى غفران ألبومها الأخير، قبل أن تتعاقد مع شركة عالم الفن لتوزيعه.
مشاكل بالجملة
ووسط كل هذه الظواهر الجديدة التي أفرزها احتكار شركات الإنتاج للمطربين، قال الملحن حسن إش إش، أن ما يحدث على الساحة الغنائية يرتبط بشكل كبير بما تتعرض له شركات الإنتاج الكبرى من مشاكل تسببت في غلق 99% منها، لافتًا إلى أن أبرز هذه المشاكل تتعلق بقراصنة النت الذي يسطون على الألبومات قبل نزولها سوق الكاسيت.
ولفت الملحن المصري أنه حتى وقت قريب كانت الساحة الغنائية تضم أكثر من شركة ومنتج يقومان باكتشاف وتقديم الوجوه والأصوات الجديدة بعد عمل عقود احتكار معهم لتضمن الشركة أو المنتج تعويض ما أنفقه ماديًا على اكتشاف هؤلاء المطربين ومساندتهم حتى الوصول إلى طريق الشهرة.. لكن الآن العملية أصبحت غير مربحة بسبب ركود سوق الكاسيت، لدرجة أن المنتج أصبح غير قادر على إنتاج ألبومات لفنانين كبار ولهم اسمهم في سوق الكاسيت .
قراصنة الانترنت
لكن الموسيقار حلمي بكر كان له رأى آخر يوضحه بقوله: هل يجوز أن يقوم المنتج بإنتاج شريط كاسيت يكلفه نحو 7 ملايين جنيه ثم يفاجأ بقراصنة النت يسرقونه ويضعونه على الانترنت حتى قبل ظهوره بالأسواق؟ بينما في المقابل ينصب كل اهتمام المطرب على التواجد والانتشار بين جمهوره دون مراعاة أي خسائر يتعرض لها المنتج..
وأوضح بكر أنه إذا كان هذا من حق المطرب التواجد بألبومات جديدة على الساحة الغنائية فمن حق الطرف الآخر أيضا أن يستفيد ولا يخسر.وبسؤاله عن اتجاه المطربين للإنتاج كنوع من الحل، قال بكر إن هذا أمر عادى، فالمطرب يسعى لأن يكون متواجدًا على الساحة الغنائية، وبالتالي ينتج الألبوم على حسابه الشخصى ثم يتعاقد مع شركة إنتاج لتوزيعه، وتعتمد الشركة هنا على مكسبها من تنظيم حفلات للمطرب.
غير أن بكر عاد وقال إن مثل هذه المحاولات أشبه بالتحايل على الوضع القائم، ولكنها ليست في صالح سوق الكاسيت.. والحل في وجود عقوبات رادعة لقراصنة النت الذين أفسدوا السوق، موضحًا أن هؤلاء تسببوا في ابتعاد المنتجين عن السوق والاتجاه لمجالات أخرى مثل الموبايلات والأراضي.وفي رأى الناقد أشرف عبدالمنعم فإنه لا يوجد حل لأزمة الكاسيت إلا بانتهاء الإنترنت، وهذا لن يحدث نهائيًا، وقال إن قيام بعض المطربين بإنتاج ألبوماتهم بأنفسهم نتيجة منطقية للخسائر الكبيرة التي تتعرض لها شركات الإنتاج. ولفت عبدالمنعم إلى أن مشاكل سوق الكاسيت دفعت الكثير من المطربين للتوجه إلى السينما التي تحقق لهم جماهيرية وتواجدًا أكثر بين الجماهير.
القاهرة - دار الإعلام العربية

