بعد أن كانت أم كلثوم وعبدالحليم وعبدالوهاب وهاني شاكر وغيرهم من كبار المطربين يشكّلون الوجدان المصري على مدار سنوات مضت تحوّل الأمر حاليا، بفعل سائقي الميكروباص، إلى تشكيل الحالة المزاجية للمواطن حسب رؤيتهم الاجتماعية.
فبمجرد وضع قدمك في تلك العربة «الميكروباص» التي تجيء ضمن أسطول عريض من وسائل النقل له ثقافة خاصة تجد نفسك محكوما عليك بالاستماع لأغنيات صاخبة بصوت عالٍ، كلماتها مبتذلة وهابطة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، مثل «باحبك يا حمار» و«العنب العنب» و«البلح البلح» و«كعبو كعبو»، ولا تجد أمامك إلا أن تدعو الله بسرعة الوصول والنزول، خصوصا أنه عندما تعترض تجد السائق بلهجة ساخرة يضحك ويقول لك «ياعم عايزين نفرح ونرقص من الهم». هذه الأغنيات للأسف انتقلت من الميكروباص إلى المراكب السياحية ومحال الأقمشة والأحذية، ومن ثم إلى المقاهي والكافيتريات، مما أدى إلى التعود على التعامل معها، خصوصاً في الحفلات أو الجلسات الخاصة التي تقتصر على هذه الأغنيات بقصد الرقص. وبقراءة هذا المشهد نجد أنه أصبح يحمل من الدلالات الكثير حول ما وصلت إليه الحالة المزاجية لمستمعي هذا اللون من الغناء، الذي يطلق عليه في مصر «أغنيات الميكروباص»، حيث رأى البعض أن عددا من الأفلام السينمائية حاولت ترسيخ هذه الأغاني والترويج لها، ولكن فشلها جماهيريا أدى إلى فرار المنتجين من هذا النوع من الأغاني.
نوع مستحدث... ولكن بعض النقاد أرجعوا اهتمام سائقي الميكروباص بهذا النوع من الغناء إلى الحالة الاقتصادية الخانقة والصدام بين السائقين مع بعضهم حول أولوية السير، والصدام الآخر بينهم وبين أفراد الشرطة، وكذلك سباقهم مع بعضهم في الشوارع لخطف الزبائن. وهذا وفر في أوساطهم كثيرا من الاحباطات أدت إلى رواج هذا النوع من الغناء الهابط، الذي للأسف أطلق عليه مروجوه ومنتجوه «الأغنية الشعبية» دون وجه حق، خصوصاً أن الكل يعلم أن الأغنية الشعبية تتميز بالرصانة في تناول الكلام واللحن والأداء. وهي تنبع من قيم حقيقية تعبر عن ثقافة المصريين المعروفة بالشهامة والكرم والشجاعة والالتزام الأخلاقي، وهذا يدعونا للتساؤل: مَنْ منا لا يرفع القبعة احتراما لفن «محمد رشدي» و«العزبي» و«شفيق جلال» والكثير من المطربين الشعبيين الذين أثروا الفن الشعبي بأغانٍ ومواويل عاشت سنين طويلة في قلوب وأذهان المصريين.
ثقافة الشعوب... أما هذا النوع المستحدث من الأغاني الهابطة فإنه وإن انتشر ووجد رواجا بين فئات المجتمع، فسرعان ما يتبخر دون أن يترك أثرا أو يرسخ معنى يستفاد منه أو قيمة يستند عليها. وهو ما يؤكده المطرب الشعبي حكيم الذي يصف الأغنية الشعبية الأصيلة بقوله: «تعبر عن ثقافة الشعوب وفي مصر عبرت عن مكونات الإنسان المشبع بالقيم والأعراف النبيلة، كما هي تميل إلى الحزن وهذا نتاج للمخزون العاطفي في المجتمع المصري». وقال: إن ما يقدم الآن في الميكروباصات والمراكب السياحية وغيرها من أغنيات هابطة وألفاظ سوقية لا علاقة له بالغناء الشعبي، بل هو مسخ رفضه الشعب مقدما ولن يصمد طويلاً طالما أنه لا يعبّر عن واقعنا.
رأى حكيم لا يختلف كثيرا عن رأي المطرب سعد الصغير، الذي يقول: «إن الأغنية الشعبية تأتي تعبيرا عن الشعب في حياتهم اليومية، فهي تمس المشاعر الداخلية للناس.
وتلعب على وتر البحث عن مشكلاتهم ومحاولة حلها، ليشعروا أن هناك من يحس بمعاناتهم، وكذلك هي تبرز خصائص الشعب من كرم وشهامة وشجاعة وثقافة». ويعتبر الصغير هذا اللون من الغناء امتدادا شرعيا لفن المطرب الشعبي أحمد عدوية، الذي بدأه في السبعينات من القرن الماضي بأغنيته «حبة فوق وحبة تحت».
رأى مغاير
أما جمهور الشارع المصري فكان له رأي مغاير، فها هي سميرة علي «سكرتيرة» تقول: «أعتبر نفسي ضحية لهذا النوع من الغناء المفروض علينا، فأثناء ركوبي الميكروباص في طريقي للعمل يوميا أصاب بصداع شديد من سماع تلك الأغاني التي يجبرنا سائقو الميكروباص على الاستماع لها».
وتضيف سميرة أنه ليس من العدل أن نصنف تلك الأغاني على أنها «شعبية»، فهي لا تستحق أن تنسب لهذا النوع الراقي من التعبير لأن الأغنية الشعبية تحمل معنى وقيمة وتعبر عن الطبقة العريضة من الشعب، أما تلك التي نسمعها هذه الأيام في المواقف والميكروباصات فلا تمت للغناء بصلة، وإنما هي أقرب إلى التعاويذ التي تردد في حفلات «الزار».
ضوضاء وتلوث سمعي
أما أكرم محمد، مدير شؤون عاملين بشركة مقاولات، فعلق ساخرا على تلك الأغاني، مؤكدا أن اغلب أهل الفن والمهتمين بالتراث الشعبي فشلوا في معرفة سر انتشار هذا النوع من الغناء بين مختلف الفئات، على الرغم من أنها ضوضاء وتلوث سمعي، وبيئتها الأولى هي الميكروباصات وسائقوها الذين أصبحت لهم سطوة كبيرة هذه الأيام على زبائنهم، ويضيف أكرم أن الأمر الذي يدعو إلى الاستغراب أن تجد من بين طبقة المثقفين من يسمع ويردد هذا اللون الهابط من الغناء.
تردٍ فني
من جانبه، يرى د. أحمد مرسي، أستاذ الأدب الشعبي، أن الأغنية الشعبية لها أصول ومواصفات خاصة، وتؤدي في إطار من العادات الاجتماعية، كما أنها تحفظ إنتاجها الفني دائما بعيدا عن هذا التردي، مشيرا إلى أن الأغنية الشعبية تظل أداة مقاومة ليس بالمفهوم المباشر للكلمة، وإنما تقاوم كل تشقق في واقعنا الحزين، وتحيا طوال قرون عديدة وترددها الأجيال المتتابعة.
ويعلق د. مرسي على نمط الأغاني الحديثة قائلاً: مثل هذه الأغاني العشوائية لا يمكن إدراجها تحت وصف الغناء الشعبي مطلقا، فهي وإن حققت جماهيرية وقتية، أو تحدثت عن قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية، فإنها في النهاية لا تعيش ولا تؤثر في الجماعة الشعبية.
ويضيف د. مرسي أن هذه الأغاني تعكس حالة من التردي الثقافي الذي تعيشه قطاعات كبيرة من المجتمع، فهي لا تعبر في أي ظرف عن الجماعة الشعبية ولا تتشكل في إطار البنية الاجتماعية لها.



