يُشاهد أطفالنا عددا لا يُحصى من مشاهد العنف على القنوات الفضائية، وهذه المشاهد لا تقتصر على البرامج الاعتيادية التي تبثها القنوات من خلال الأفلام، والمسلسلات المدبلجة التي يتابعها بعض الأطفال بشغف، والصور المتحركة، والأغاني المصورة.
وأغلبها تغرسُ فيهم ثقافة العنف، وتقتل روح الإبداع فيهم، وإن عدت اعواما إلا الوراء أذكر ستتذكر مسلسلات لا تزال عالقة في الذاكرة، ومن المحال نسيانها مثل (المناهل)، (افتح يا سمسم)، (السنافر)، و(سالي) وغيرها الكثير؛ فماذا حل بهذه النماذج الناجحة التي تعايشنا مع شخصياتها وعلمتنا (ألف . باء) الحروف، والتعاون، والصداقة، هل غابت هذه البرامج في ظل ازدحام الفضائيات، وبما تقدمه من برامج أطفال تفتقد القيم والمبادئ النبيلة والجميلة، ومن خلال هذا الاستطلاع أكد مجموعة من الإعلاميين والفنانين أن الفضائيات تسمم عقول أجيالنا لا غير!
على الرغم من أن الدراسات أكدت على مر العصور منذ ظهور التلفزيون وحتى الآن أن برامج الأطفال يجب أن تنال القدر الأعظم من الاهتمام والعناية من قبل القائمين على تنفيذها، لأهميتها البالغة في تكوين وتشكيل الفكر الخاص بالأجيال القادمة، يرى الفنان الشاب علي حسين أهلي، الذي يُمثل دور (عتوقه توباك) في شعبية الكرتون أن القائمين على برامج الأطفال تعمدوا إهمالها حتى وصلت إلى مستوى شديد السذاجة.
مُضيفا أن برامج الأطفال تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الإبداع، ومثال ذلك في رأيي (شعبية الكرتون) الذي استحوذ على اهتمام الصغار والكبار على حد سواء، حيث جمعنا بين الضحك، ورسالة هادفة تفيد مجتمعنا وتطوره؛ فهذا البرنامج دأب على بث رسالة اجتماعية في كل حلقة من حلقاته في قالبٍ فكاهي مشوق أثبت وبجدارة ومنذ انطلاقته أن الإبداع لا يقف.
تسلية ومتعة
ما تبثه برامج الأطفال على الفضائيات من عنف جعل البعض يحجب أولاده عن متابعة هذه البرامج مخافة من تشكيل سلوك عدواني لديهم يقول الإعلامي محمد خلف، مراقب برامج إذاعة الشارقة: أمنع أبنائي من متابعة بعض المحطات التي تسمي نفسها (قنوات أطفال) لما تبثه من عنف يؤثر سلبا في سلوكياتهم، وليس هذا فحسب، بل إنهم باتوا يتحدثون اللغة العربية الفصحى (العنيفة) أي : سأضربك، وأدمرك، وأقتلك! مؤكدا أن برامج الأطفال في كل دول العالم من أهم عوامل تشكيل فكر الأجيال الجديدة، فما أحوجنا لبرامج أطفال تجمع ما بين التسلية والمتعة.
تساؤلات من دون إجابات
نوعية برامج الأطفال على فضائياتنا أثارت الكثير من علامات الاستفهام عن المغزى والهدف من مثل هذه البرامج، حيث تتساءل الإعلامية والفنانة غزلان قائلة: لماذا اختفت براءة الطفولة من برامج الأطفال وأغانيهم في الفضائيات العربية؛ فالمتتبع لعدد من البرامج والمسلسلات الكرتونية التي تبثها قنواتنا اليوم يجدها برامج سخيفة وفارغة تحمل من العنف وثقافة الحروب الكثير، وكأنها تريد أن تسمم أطفالنا وعقول أجيالنا بترسيخ ثقافة العنف. مُوضحة انه إذا تابعنا عددا من برامج الأطفال نجدها بعيدة عن أي معاني إنسانية، والأغاني الموجهة لهم ليست استثناء من هذه الظاهرة؛ فأين برامج أيام زمان الموجهة للأطفال؟؟
وأين البرامج التي علمتنا التضحية والصداقة، وحب الأبناء للآباء، مضيفة أنه على الرغم من أن بعض المحطات التلفزيونية المحلية تحاول جاهدة تدعيم النوع الهادف والإيجابي من البرامج وتطويره بطريقة، أو بأخرى من خلال إدخال فقرات شيقة تصنع علاقة رائعة ومباشرة مع الطفل المشاهد، إلا أن ذلك لم يأتِ بالنتيجة المرجوة، خصوصا أن المحطات الأجنبية تركز على عروض دائمة للرسوم المتحركة أو التعامل مع المشاهد الطفل بطريقة تفاعلية تجعل العلاقة بين الطرفين وطيدة وعميقة.
شخصية هادفة
الفنانة أشجان، شخصية أحبها الأطفال كثيرا، خصوصاً أنها تؤدي دور (أم علاوي)، وهي شخصية جميلة جدا في المسلسل الكرتوني (فريج) تقول: في ظل هذه الموجة من البرامج والمسلسلات لا ننسى أننا كنا نشاهد مسلسلات وبرامج تحمل قيما تربوية وإنسانية وتعليمية هادفة.
أما اليوم فموجة العنف وعولمته طالت براءة الأطفال، واخترقت قلوبهم الرقيقة، وأرواحهم الشفافة، وعقولهم الصغيرة، مضيفة أن العنف ليس في البرامج والمسلسلات فحسب، بل عندما يشارك طفل في كليب أغنية هابطة، وعندما يشارك في تمثيل إعلان تجاري لمنتج لا يخدم صحته أو عقله، مؤكدة أنه لابد من بث برامج هادفة تبني شخصية مفكرة ومبدعة وفاعلة.
يشاركها الرأي الإعلامي خالد عبد الغفار في قناة (إنفينيتي)، يقول: إنه على الرغم من أن التلفزيون ببرامجه المختلفة أصبح وسيلة الاتصال الأقوى والأكثر إثارة وتشويقا في حياة الطفل، إلا أن الرقابة والمسؤولية ضعيفة اتجاه البرامج والأغاني والمسلسلات والإعلانات المخصصة له، بل أحياناً نجده هو الضحية والمستهدف.
حيث نجد برامجه غالباً تكون مستوردة تمثل ثقافة مجتمعات أخرى مغايرة لمجتمعنا، وتسهم في تعزيز مفاهيم وسلوكيات وعادات وقيم غريبة، وفيها تكريس وزرع العنف بكل أنواعه، مُضيفا أنه لابد أن تسهم الأسرة في تحديد نوعية البرامج التي يمكن للأطفالها مشاهدتها، وتحديد عدد الساعات المخصصة في اليوم لمشاهدة التلفزيون.
الاتهامات طالت أيضا مقدمي برامج الأطفال الذين أحياناً تكون ثقافتهم سطحية ويتعاملون مع الأطفال من منطلق الاستخفاف بعقولهم، يقول الإعلامي محمود يوسف : إن برامج و مسلسلات الأطفال على فضائياتنا العربية سيئة، بل إن مقدمي هذه البرامج زادوا الموقف سوءاً ، بأسلوبهم العجيب في التعامل مع الأطفال والذي لا يوصف بشيء غير أنه (مستفز)!، مضيفاً أن القنوات الفضائية اقتحمت البيوت من دون استئذان.
وشاركت الأسرة في تربية الأطفال من خلال برامجها الموجهة، وبات التلفزيون يحتل المرتبة الأولى في اهتمامات الأطفال، وأن معدل الوقت الذي يقضيه الأطفال في مشاهدة القنوات الفضائية يوازي ما يقضونه داخل صفوفهم الدراسية، وبما أن أغلب برامج الأطفال يغلب عليها العنف؛ فإنه وبكل ثقة أقول إنها تسهم حقا في تلقينهم مجموعة من السلوكيات والتصرفات الغريبة.
الأسرة مسؤولة مسؤولية مباشرة اتجاه الطفل فهي الرقيب الأول على ما يشاهده الأطفال، لذا لا بد أن تكون هناك قنوات حوار مباشرة بين الطفل ووالديه، يقول عبدالله الزعابي، نائب مدير شبكة أبوظبي الإذاعية إنه لا يمكن إنكار دور القنوات الفضائية في التطوير المعرفي للأطفال وتعليمهم وتوسيع مداركهم.
فالفضائيات تقدم معلومات جاهزة و محددة في إطار يساعد في تنمية الخيال والابتكار لديهم، لكن في المقابل يجب أن نُوضح أن مدارك الأطفال وعقولهم اختلفت كثيراً عما كانت عليه أيام آبائهم وأجدادهم مع العدد المعرفي الهائل الذي يُقدم من خلال القنوات الفضائية، لذا يتحتم على الأب والأم أن يشجعا أبنائهم على مشاهدة البرامج التي تتضمن شخصيات إيجابية، والتي تصلح لأن تكون قدوة في التعامل مع العادات الجيدة والأخلاق الحسنة.
أمنية
تؤكد الإعلامية والفنانة غزلان أن الأطفال الذين يكثرون من مشاهدة ما هب ودب من برامج على القنوات الفضائية من دون ترشيد هم أقل إبداعا وابتكارا وخيالا من الأطفال الذين يشاهدون برامج منتقاة ويبحثون عن نشاطات أخرى لتمضية أوقات فراغهم، وتأمل غزلان في عودة برامج ومسلسلات زمان، لاسيما أنها كانت تسهم بشكل كبير في غرس القيم الإيجابية و الأخلاق الرفيعة.
دبي -جميلة إسماعيل



