اتسم مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي في دورته الثالثة والتي انتهت منذ أيام بصبغة سينمائية بدت واضحة ومميزة، أهمها عرض كم هائل من الأفلام من مختلف أنحاء العالم، والتي لا يختلف أحد على جودتها وأهميتها، وعرضت للمرة الأولى في الشرق الأوسط وبعضها كان العرض السينمائي العالمي الأول، ما يؤكد أن هناك مهرجاناً عربياً حاول الحفاظ علي هويته الشرق أوسطية، والعناية بهذا المفهوم عبر دعم سينما الشرق الأوسط، لذلك فقد وصفه البعض بالمهرجان الاستثنائي، لما يحمله من إبهار مادي وسينمائي.
و يبقى الأهم من وجهة نظر النقاد والمراقبين، هو أن يكون هناك تأثير سينمائي لهذه المهرجانات على البنية الخليجية ذاتها، والتي شهدت في الآونة الأخيرة خروج تجارب سينمائية لافتة، كانت حاضرة في مسابقة (أفلام من الإمارات) والتي عرضت أربعة عشر فيلما، تم اختيارها من 142 فيلما حسب ما ذكرته الجهة المنظمة للمسابقة. وهذه الأرقام تدفع تلقائيا إلي تساؤل: من أين جاءت هذه الإحصائيات، وان كانت واقعية فعلا فهذا يعني أن هناك 128 فيلما تم استبعادها لأسباب لم يتم توضيحها، وأن اختيار ال14 فيلما داخل المسابقة تم على معايير وأسس أيضا يجب الإعلان عنها، خصوصا أن الدورة التاسعة جاءت أضعف من حيث عدد الأفلام (10 أفلام أقل من الدورة الثامنة)، كما أن النوعيات المعروضة من الأعمال ساهمت بخلل واضح ارتبط بتوزيع الجوائز وهو ما سيأتي على ذكره لاحقا، ما جعل المسابقة تحتاج إلي وقفة للقراءة قد تفيد في إعادة النظر فيها مرة أخرى.
حراك سينمائي... يعتبر البعض أن يتخطى المهرجان طموحاته المشروعة، عليه أولا الاهتمام الكلي بالطاقات المحلية ومبدعيها، وتطوير إنتاجها المحلي الذي بدأ يظهر إلى الوجود عمليا منذ عام 2002 مع «مسابقة أفلام من الإمارات»، والتي أحدثت حراكا في الساحة السينمائية الإماراتية التي كانت تعاني من ركود تام حتى هذا الوقت. وبالفعل كما يرى كاتب السيناريو الإماراتي محمد حسن أحمد، ظهرت مع المسابقة أفلام وأسماء ومهرجانات تعتبر الأميز خليجيا وعربيا في المنطقة، ولكن مع الضعف الفني الشديد في عدد ونوعية أفلام المسابقة الإماراتية عاما بعد آخر، ودخولها ضمن فعاليات مهرجان أكبر هو الشرق الأوسط، منح ذلك السينمائيين فرصه للهروب.
لذا لم يبق للسينمائي الإماراتي سوى مهرجان دبي الذي يختار فيلما واحدا أو اثنين وبمواصفات جيدة للتنافس في مسابقه المهر العربي أو العرض خارج المسابقة باسم «أصوات إماراتية » والتي تم تغييرها أيضا إلى «أصوات خليجية » لتسقط معها حتى احتفاليه الفيلم الإماراتي كصوت يجب أن يكون مستقلا كي يتواجد.
وجاء مهرجان الخليج السينمائي ليمنح كل الخليجيين فرصة للتواجد والتنافس، ومنها أصبح الفيلم الإماراتي بعيدا عن المسابقة المحلية التنافسية التي كانت ذات عمق وصلة وثيقة بظهور الفيلم الإماراتي والأسماء الإماراتية.
و نستطيع القول الآن ـ والحديث لايزال من جانب محمد حسن أحمد ـ من الصعوبة جدا أن تخرج أسماء جديدة أو مواهب تبحث عن التنافس من الداخل ، فكل المهرجانات المقامة داخل الدولة ليست للإماراتي فقط، والسينمائي الإماراتي صاحب التجربة يبحث الآن عن فيلمه الأجمل ولديه مشاريعه لأفلام روائية طويلة لكنها إما حبيسة الأدراج أو تعاني من موارد التمويل، أو فقدت روح الحماس والتواجد داخل مهرجانات محلية تتفاعل معها وتسلط عليها الأضواء.
عدد الأفلام
وفي استعراض سريع للإنتاج الإماراتي نجد أن عدد الأفلام التي تم تصويرها سنة 2008 لا تتجاوز عدد أصابع اليد، بعد أن كان الإنتاج الإماراتي يتجاوز الـ (50 فيلما)، وما تم إنتاجه سنة 2009 من أفلام (4) فقط، وهذا رقم يراه محمد حسن أحمد يعطي مؤشرا كبيرا بغياب الفيلم الإماراتي في مسابقه أفلام من الإمارات، ومهرجان دبي السينمائي في ديسمبر، وأيضا في مهرجان الخليج السينمائي المقبل بعد المشاركة الإماراتية الفقيرة في الدورة الثانية ابريل 2009.
ما يتم استعراضه من قراءة، هو نظرة من داخل الوسط السينمائي ذاته، والتي يرى خلالها البعض أن تهميش مسابقة «أفلام من الإمارات» أمر لابد من الرجوع عنه، بل تطالب العديد من الأسماء التي خرجت من عباءة المسابقة، إلي ضرورة فصلها عن مهرجان الشرق الأوسط، حتى تستعيد مكانتها التي صنعتها على مدار سنوات ماضيه، قبل أن تتلاشى بشكل غريب داخل فعاليات مهرجان الشرق الأوسط السينمائي، ويتقلص عدد أفلامها وتختفي منها أهم أسماء قدمتها للساحة السينمائية الإماراتية خلال السنوات السابقة.
فصل المسابقة
والمدهش حقيقة، هو توصيات لجان التحكيم وآراء النقاد في الدورتين الأخيرتين، والذين أجمعوا على ضرورة فصل المسابقة عن مهرجان الشرق الوسط، لأنها بذلك تظلم كثيرا ـ على حد قولهم، سواء في طريقة الاحتفاء بها، أو إبراز أعمالها وسط الكم الهائل من الأفلام العالمية والحشد الكبير من ألمع النجوم، بخلاف مواعيد عروض أفلامها داخل الفعاليات والتي وصفها البعض بالسيئة، لعدم مناسبتها لطبيعة جمهور المسابقة من المواطنين الذين يكونون في فترة دوام.
أو حتى رواد المهرجان الذين يكونون في الساعة الواحدة ظهرا يستعدون لتناول وجبة الغداء، ورغم هذه الرغبة الملحة من صناع الأفلام أنفسهم، لاتزال إدارة المسابقة تؤكد على تقديمها داخل مهرجان الشرق الأوسط مع وعد بإيجاد صيغ بديلة تضع حدا للجدل المثار.
إجمالي المشاركات
وبنظرة متأنية إلي تقسيمات مسابقة (أفلام من الإمارات) هذا العام، نرى أنه تم إدراج 14 فيلما تحت العناوين التالية:
ـ (الأفلام الإماراتية القصيرة) وعرض بها 6 أعمال، إجمالي مدة عرضها على الشاشة 84 دقيقة، وهي «الجزيرة الحمراء في عيون السينمائيين الإماراتيين»، «أحزان صغيرة»، «ميساء الجنة»، «عبور»، «مفتاح»، و «جفاف مؤقت».
ـ (الأفلام الخليجية القصيرة) وعرض بها 5 أعمال، مدة عرضها على الشاشة 100 دقيقة، وهي «ثلاثة رجال وامرأة»، «بياض»، «أزهار تحترق»، «همسات الخطيئة» «ياسين».
ـ (الأفلام الروائية الطويلة) وعرض بها 3 أعمال، مدة عرضها 236 دقيقة، وهي «الفندق»، «حقنا في الفروسية»، «الغرفة الخامسة عويجة».
وبالتالي أصبح إجمالي مدة الأفلام جميعها 420 دقيقة (7 ساعات)، وهي مختزلة كثيرا جدا بالمقارنة مع الدورات السابقة، كما أن محدودية عدد الأفلام ووجود عدد كبير من الجوائز أعطى الفرصة لمعظم الأعمال للفوز بجائزة أو اثنين، ما انتفى معها فكرة المنافسة حيث ضمن الجميع الحصول على جوائز لمجرد المشاركة، هذا بخلاف شهادات التقدير والتكريم للجهات التي ساهمت بأكثر من عمل أو لعبت دورا فعالا في إنجازات الشباب السينمائية داخل الإمارات وخارجها.
الناقد الرسمي
ومن الأمور التي يجب الانتباه إليها لعدم توفرها في الدورة التاسعة، عدم وجود ندوات أو ورش عمل تصقل مواهب أصحاب هذه الأعمال، حتى يتم رفع مستوى المشاركات المقبلة، ومن ثم ينعكس ذلك على الثقافة السينمائية التي بلا شك تؤثر على الوعي العام لدى هؤلاء المبدعين.
وبالتالي نؤكد على إيجابية اختيار إدارة الدورة للناقد المصري كمال رمزي ليكون الناقد الرسمي لمسابقة هذا العام، وملاحظاته الرائعة التي حللت وحددت توجهات ومستوى الأفلام، وإن تفاوتت آراء النقاد وأعضاء لجنة التحكيم حول هذه الأفلام، والتي تم وصفها بأنها رؤى جميلة لكنها تحتاج لمزيد من العمل.
ويبقى القول: إن مسابقة «أفلام من الإمارات» تهدف إلى تشجيع الإنتاج السينمائي المحلي، بتركيز خاص على الأعمال القصيرة والروائية والوثائقية وأفلام الرسوم المتحركة المنفذة على أيدي صناع سينما إماراتيين.
كما تسعى إلى إتاحة الفرصة أمام المواطنين والمقيمين في دول مجلس التعاون الخليجي للمشاركة وتقاسم التجارب السينمائية مع زملائهم الإماراتيين، مضمون رائع لا يختلف عليه اثنان لكنه يحتاج إلي ترجمة على أرض الواقع، حتى نرى من هذه المنطقة سينما تبهر العالم بما تطرحه من أفكار ومستوى فني.
دبي ـ أسامة عسل


