جاء الإعلان عن الأفلام الفائزة في مهرجان الشرق الأوسط السينمائي في دورته الثالثة، تتويجاً لعشرة أيام من الاحتفاء بسحر السينما شهدتها أبوظبي من خلال عرض 128 فيلماً، وتنافس 17 فيلماً روائياً و14 وثائقياً و25 فيلماً قصيراً و10 أفلام قصيرة من إخراج طلبة الفن السينمائي، على جوائز «اللؤلؤة السوداء» التي شارك ضيوف المهرجان من كبار النجوم العالميين، بمن فيهم نعومي واتس وإيفا مينديس وأورلاندو بلوم بتقديمها إلى الفائزين.
ورغم أن المهرجان امتاز بالبساطة الشديدة في حفلي الافتتاح والختام، إلا انه حظي بمتابعة وإقبال حثيثين من الجمهور في تظاهرات أبرزت شكل التحمس لجنسيات الأفلام وهويتها، وربما كانت الفكرة الأكثر مثولا في الدورة الثالثة تركزت في التكهنات التي انتشرت قبل إعلان الجوائز عن إمكانية فوز عدد كبير من الأفلام العربية لاسيما في ظل الأحاديث التي شاعت حول حصولها على مبالغ مالية من أجل جلبها والاستحواذ عليها في عرض أول قبل أي مهرجان آخر، مع توقع فرص أكبر لها، بحكم التعديل الجديد الذي حدث في لوائح جائزة «اللؤلؤة السوداء» حين تم تقسيم الجوائز إلي نصفين: عامة للأعمال جميعها وخاصة بمنطقة الشرق الأوسط، وهذا التصنيف الذي ابتكره المهرجان كان يهد من ورائه حسب ما يؤكد البعض إلى تشجيع السينما العربية، لكن ما حدث كان مخيّبا لآمال البعض وخصوصا صناع الفن السابع في المنطقة العربية.
لجان التحكيم... ويرى كثير من المراقبين أن المعايير التي تم الاستناد عليها لاختيار أعضاء لجنة التحكيم قد تكون جدلية، وبعضها يثير علامات الاستفهام حول طبيعة اللجان نفسها والتي اختفى من عناصرها وجود نقاد عرب أو أجانب، وتعرضت لكثير من الملاحظات لتواجد أعضاء بها ليس لديهم خبرة في مجال التحكيم لهذه النوعية المتخصصة من الأفلام ـ وتحديدا هند صبري في فئة الأفلام الوثائقية ومنه شلبي في فئة الأفلام الروائية القصيرة ـ وتفاوتت الآراء حول النتائج التي حصلت عليها الأفلام العربية ، فالبعض وصف القرارات النهائية الصادرة حولها بأنها غير منصفة، في الوقت الذي همس فيه البعض بأن النتائج سببها توجهات هدفت إلي إزالة رواسب الدورتين السابقتين والتي لصقت بهما شبهة المجاملة، فيما ارتأت مصادر أخرى أن الجوائز ذهبت إلي الأعمال التي تستحقها. وفي السياق ذاته يؤكد البعض أن فوز فيلمي «الزمن الباقي» و«لا أحد يعرف بأمر القطط الفارسية» كان من عناصر رواج الأقاويل، وهما من الأفلام التي سعى إليهما المهرجان ليستحوذ عليهما في هذه الدورة، وأثير أن منظميه بذلوا من الجهد والإغراءات ما يضمن وجودهما ضمن الفعاليات، وبعيدا عن قيمتهما الفنية التي يتفق أو يختلف عليها النقاد والجمهور، فاز الأول كأفضل فيلم شرق أوسطي (100 ألف دولار).
وحصل الثاني على (اللؤلؤة السوداء) لجائزة الجمهور بخلاف جائزة أفضل ممثل لبطله حامد بهداد، ما دفع مروجو الشائعات للقول بإن الجوائز جاءت ترضية من مهرجان أبوظبي لما تعرضا لهما الفيلمان من ظلم وإجحاف في الدورة الأخيرة لمهرجان «كان» السينمائي الدولي، أو احتفاء بانسحابهما من مهرجانات أخرى لصالح الشرق الأوسط السينمائي.
جوائز واعتراضات
وفي مقابل فوز الفيلم الروسي «عشاق الصرعات» الذي لقي إقبالا جماهيريا كبيرا من رواد المهرجان، لم يتم الالتفات أو حتى التنويه للأعمال العربية في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة مثل أعمال «المسافر» و«الليل الطويل» و«هيلوبوليس»، و«ابن بابل»، رغم ما تحمله من عناصر تميز ـ حسب قراءات بعض النقاد ـ في الصورة واللغة السينمائية.
وجاء الإنصاف الوحيد في محاولة تجميل الصورة العربية، حصول التونسي محمد زرن على جائزة أفضل مخرج جديد شرق أوسطي في فئة الأفلام الوثائقية، وفوز الفيلم اللبناني «طرابلس علهدا» بجائزة أفضل فيلم شرق أوسطي جديد، بينما توقفت الجوائز الأخرى عند محطات تركيا ـ التي تم تسليط الضوء عليها في هذه الدورة واستراليا والمكسيك ونيوزيلندا والدنمارك وبلجيكا وألمانيا وباكستان، في تنويعة يراها أصحاب الخبرة تهدف إلي إبراز الدور العالمي للمهرجان وتواجده على الساحة الدولية وانتقاءه لنوعية وعدد الأفلام وذهاب الجوائز إلي من يستحقها.
وكانت التنويهات الخاصة بفئة الأفلام الروائية القصيرة لفيلمي «فاتنة» للمخرج الفلسطيني أحمد حبش، و«ربيع 89» للمخرجة المصرية آيتن أمين، تأكيدا من رئيس اللجنة المخرج يسري نصر الله أن الأعمال العربية موجودة وتنافس بشكل أو بآخر رغم خروجها خالية الوفاض.
خروج عن النص
وكان لافتا رغبة كثير من الفنانين الذين طلب منهم القيام بمهام محددة في حفل الختام بالخروج عن النص والارتجال، فجاء إعلان أحد أعضاء لجان التحكيم في حفل الختام قائلا: «طلب مني التحدث باللغة الإنجليزية»، في حين تعمد بعض أعضاء وضيوف آخرين التحدث بالعربية وبشكل عفوي دون الالتزام بما كتب لهم، وأدى ذلك إلي إطالة فقرة حفل الختام وتداعى التصريحات النارية التي تسببت فيها الممثلة الكوميدية الجزائرية بينونة التي قالت إن السينما الجزائرية تعيش سكرات الموت، معتبرة أنه لا يوجد سينما من الأصل في الجزائر، الأمر الذي أثار الدهشة بين متتبعي فقرة ختام المهرجان، الذي اختار بينونة لتسليم إحدى الجوائز التي حظي بها مخرج تونسي معروف.
وجاءت تصريحات الممثلة الجزائرية صادمة لكثيرين، حيث وبمجرد صعود بينونة إلى المسرح لتقديم الجائزة للمخرج، توجهت إلى الجمهور قائلة: «كان من المفترض أن أقرأ ما دوّن لي في الورقة، لكن لن ألتزم بما هو مكتوب وأحب أن أقول إن السينما الجزائرية دخلت قسم الإنعاش وتعاني محنة كبيرة، فلا إنتاج لدينا، لذا أشعر بالفخر وأنا أقدم هذه الجائزة لمخرج تونسي ومن بلد يهتم بالفن والفنانين، كما أنه البلد الذي تعيش فيه شقيقتي بعد زواجها من تونسي، وأغتنم الفرصة لأقدم تحياتي لكل أهل تونس».
المفارقة أن الممثل المصري خالد أبو النجا، الذي شارك في نفس المهرجان بفيلم «هيلوبوليس» مصر الجديدة، أخذته الغيرة على السينما الجزائرية، فأراد رد الاعتبار لها عندما صعد للتقديم قائلا: لدي تعقيب على ما قالته الممثلة الجزائرية بينونة بعدما شاهدت فيلما جزائريا اسمه «مسخرة»، الذي أعتبره شخصيا من أروع الأفلام التي شاهدتها، وأعتقد أن السينما الجزائرية قادرة على الوصول إلى العالمية وأخذ جوائز عديدة، وأنصح الجمهور بمشاهدة هذا الفيلم.
وجاءت فقرة عرض فيلم الختام «الرجال الذين يحدقون في الماعز» لتزيد رصيد المواقف المثيرة للجدل، حيث صعد إلي المسرح بيتر سكارليت المدير التنفيذي للمهرجان ليقدم الفيلم وبصحبته ماعز، الأمر الذي أثار لغطا بين الجمهور بين مرحب للفكرة ورافضها.
هفوات وملاحظات
ومن هفوات الدورة الثالثة التي يجب تداركها مستقبلا، عدم إصدار أي كتاب في الثقافة السينمائية رغم الدور الحيوي الذي تلعبه هيئة أبوظبي للثقافة والتراث في هذا المجال، وإلغاء نشرة المهرجان اليومية وكذلك ندوة المهرجان التي تخص السينما العربية وتعالج شؤونها، واستبدالها بمؤتمر «ذي سيركل» الذي قدم صورة عالمية عن صناعة السينما إذ أن موضوعاته ومناقشاته جاءت لتخص هموم الإنتاج لجنسيات ضيوفه من الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية الأخرى، أكثر مما تعني صناع السينما في المنطقة العربية.
كما يجب التخفيف من استخدام اللغة الانجليزية كلغة أولى للمهرجان، ووضع اللغة العربية في مكانه تستحقها باعتبار أن المهرجان يقام في بلد عربي، وهذا لا يلغي حرص إدارة المهرجان على الترجمة العربية لغالبية الأفلام الأجنبية المعروضة، وتوفير الترجمة الفورية في كل الندوات والمؤتمرات، وهو بذلك يتفوق على مهرجانات أخرى عريقة في المنطقة كان لديها التطلع لتنفيذ مثل هذه الآلية.
ومن الموضوعات التي تحتاج إلي اهتمام وتركيز أكبر، تحديد مرجعيات متمثلة في شخصيات تقوم بتخفيف حالة الارتباك التي حكمت علاقات الضيوف والإعلاميين بإدارة المهرجان، خصوصا في اللحظات الأولى التي تتطلب تدخلا سريعا لحل مشكلة أو رد على استفسار، كما يجب الاهتمام بتفعيل علاقة الضيوف من نجوم ومخرجين بوسائل الإعلام، ومحاوله إدارة المهرجان الاستفادة من زخم وجودهم للدعاية للفعاليات أو للأفلام المشاركة في البرامج المختلفة.
مجرد أمنية
يتبقى أخيرا مجرد أمنية، أن تبدأ إدارة المهرجان في تدريب عدد من الإماراتيين في الدورات المقبلة، وفي أكثر من مكان داخل مطبخ المهرجان لتأهيلهم مستقبلا ليكونوا صورة مشرفة تعكس الوجه السينمائي المشرق للإمارات.
دبي ـ أسامة عسل


