في خضم الجدل والحديث عن الأغنيات الهابطة والكليبات العارية التي حازت مساحات واسعة من النقد ولاتزال، ظهرت الأغنية الدينية بقوة في الساحة الفنية وبأشكال مختلفة من خلال مطربين ومطربات كبارا وصغارا على السواء.
حيث شهدت الساحة الغنائية من آن لآخر عشرات الأغاني الدينية لعدد كبير من المطربين منهم مصريون وخليجيون، واللافت في هذه الأغاني أنه يتم تصويرها بتقنيات عالية جدا لجعلها أكثر جذبا للشباب، الأمر الذي يدفعنا للتساؤل: هل إقدام هؤلاء المطربين على تقديم الأغنيات الدينية يأتي عن قناعة وإيمان منهم بالهدف النبيل لهذه الأغاني، أم أن الأمر يعود الى الانسياق وراء المادة وتحقيق شهرة أكبر عبر بوابة الأغاني الدينية ، وما حقيقة ما يتردد عن وجود مساهمات كبرى من جهات معينة تريد أن تنشر هذه الأعمال لمواجهة الفن الهابط في المجتمع ؟تاريخ الأغنية الدينية تاريخ طويل، فهذا النوع من الأغاني معروف في الدول العربية منذ القدم لكنه توارى أمام المد العاطفي الذي استحوذ على مختلف المساحات خلال فترات سابقة، قبل أن تعود الأغنية الدينية بقوة من بوابة مصر والخليج، باعتبارهما أكثر الدول التي قدمت أغنيات دينية خلال السنوات الماضية.
والقائمة كبيرة وتتسع للكثير من المطربين الكبار منهم والصغار، يأتي على رأسهم عبد الله الرويشد، هاني شاكر، محمد الحلو، أصالة، لطيفة، علي الحجار، إيمان البحر درويش، مصطفى قمر،حمادة هلال، تامر حسني، صابر الرباعي، سامي يوسف وغيرهم ..
وبالبحث في مضمون هذه الأغاني، وبشكل أكثر تحديدا المصرية نجد أن معظم المطربين أقدموا على الأغنية الدينية وكأنها مسايرة لموضة قادمة لذلك لم يصمدوا في تقديمها خوفًا من الخروج من جلدهم وأن يصعب الأمر عليهم في العودة إلى الأغنية العاطفية ولا يجدون مكانهم في مقدمة صفوف المطربين الكبار، ولذلك اكتفى كل منهم بأغنية دينية أو اثنتين، وبعضهم أصدر ألبومًا واحدا من الأغاني الدينية.
وفي مصر أيضا نجد عددا من شركات الإنتاج تقوم بإنتاج أغنيات لكبار المطربين ومطربي الوسط لإذاعتها فقط خلال المناسبات والأعياد الدينية بشكل يجعلهم دائمًا حاضرين في هذه المناسبات كل عام، والبعض الآخر عندما يجد نصًا جميلاً وملحنًا لأغنية دينية لا يمانع في تقديمها في كثير من الأحيان لكنهم في أغلب الأحيان لا يسعون إليها.. وان كان الاستثناء هنا المطرب السوري حسام حاج الذي قدّم عددا من الأغنيات الدينية بعد أن اعتزل تقديم الغناء العاطفي الذي بدأ به حياته الفنية وتحول إلى أداء الغناء الديني.
ومن أهم وأشهر أعماله أغنية تدعو للحجاب تحت عنوان «اتحجبتي برافو عليكي»، وأغنية «صلى ركعتين لله» وغيرهما من الأغنيات التي وجدت تجاوبًا كبيرًا من خلال كليبات قدمتها بعض القنوات الفضائية على استحياء، وظل يبحث عن وسيلة أو وسائل أخرى لنشر هذه الأغنيات التي قال إنها تنشر الفضيلة في المجتمع.
وعلى العكس من مصر كان الوضع في الخليج مغايرا، حيث تخصص بعض المطربين في الغناء الديني منهم الكويتي مشاري العرادة الذي سبق أن قدم كليب «فرش التراب» الذي يتحدث فيه عن «القبر» «ومالي سواك» و«أشرق نور» و«يا رجائي» وغيرها من الأغنيات التي وجدت رواجًا في أوساط الرافضين للأغنية العاطفية بشكلها الراهن، وكذلك هناك شركات تخصصت فقط في إنتاج الأغنيات الدينية في الخليج، وأنشئت بعض الشركات لهذا الغرض في دول أوروبا مما اعتبرها البعض محاولة لصد الفن الرديء وليس اعتراضًا على الأغنية العاطفية ذات المضامين الهادفة.
كذلك الأمر في السودان لا يختلف كثيرا، فمثلاً عندما بلغ نظام الإنقاذ الحالي السلطة جاء بأجندة دينية، وقام بمحاولات شتى لتغيير تركيبة الشعب السوداني رغم تنوعه الثقافي والعرقي والديني من خلال تقديم المدائح النبوية والأناشيد والأغنيات الدينية بكثافة بل أنشأ قناة فضائية متخصصة لنشر الأغنيات الدينية والمدائح النبوية واستقطاب كبار المطربين والشباب لتقديم هذا النوع من الأغنيات.
ولكنه اصطدم بفئة عريضة من ديانات أخرى ومؤثرة فرضت عليه الاعتدال في التناول للإبداع، ولكن رغم ذلك نجح النظام في السودان في خلق مساحة عريضة للأغنيات الدينية عبر قناة «ساهور» الدينية.
قناعة المتلقي
لكن رغم الجهود التي بذلت من جهات بعينها ومنظمات معلومة لفرض الأغنية الدينية كبديل للأغنية العاطفية أو على الأقل تقليل مساحة الأغاني الهابطة والخليعة، فإن هذه الجهود، وفق عدد من النقاد، لم تحقق الهدف المطلوب لأسباب كثيرة منها عدم قناعة المتلقي بأن من يقدم هذه الأغاني يقدمها باقتناع ونية واضحة تهدف بالفعل لما ترمي إليه كلماتها، خاصة عندما يغنيها فنان كبير ويكون مشهورا بالفضائح النسائية أو الممارسات البعيدة عن الدين فإنها لن تصل إلى المتلقي بالشكل أو الروح التي يمكن يكون لها تأثيرها على المتلقي، أو أن يغنيها مطرب مثل سعد الصغير الذي ظل يتراقص ويغني أغنيات خليعة ويتغزل في جمال راقصة بجواره بشكل أثار السخط في أوساط المجتمع العربي عامة فلا مجال أمام المتلقي غير السخرية والتهكم عليه.

