ماذا يمكن لسائح أن يقول عن باريس. المدينة «العجوز» التي ما انفكت تستقطب مئات الآلاف من السواح سنويا، ليست في حاجة، في واقع الأمر، إلى كثير من الكلام. حين يتعلق الأمر بالمديح، تفضل باريس الصمت.

كسيدة أنيقة ترتدي معطفها الفاخر وشال الحرير، وتتعطر بعبق نور الصباح الطالع من عمق غابة ليمون أخضر، وزنبق. تبدو المدينة مترفعة عمن يقول فيها جميل الكلمات. لكأنها اعتادت على ذلك منذ مئات السنين، الى درجة أنها لم تعد تسعد به. كلهم مروا من هنا. قالوا الكثير. ملايين الكلمات ذابت في مياه (نهر السين) التي استعصت على جميع الغزاة، لكنها لا تزال تهمس في آذان العشاق على ضفافه؛ هم فقط من تخضع أمامهم المدينة. انهم أبناؤها، وتعويذتها التي صنعت سحرها على مدى التاريخ. والانوار التي تغنى بها الشعراء، ما هي الا تلك الساطعة من قلوب المحبين وعيونهم. لا تدخل باريس من دون قصة حب، ولا تقترب، تحديدا، من شارعها الشهير (الشانزيليزيه). هنا، يبدو وكأن للسواح العرب إقامة دائمة.

يحمل الشارع الكثير من عاداتهم وأسمائهم ومطاعمهم وطقوسهم. وبدءا من النرجيلة، الى الفنادق والسفارات ومراكز التسوق التي خطت على واجهات اعلاناتها بلغة الضاد، مرورا بالوجود الكثيف لأبناء المغرب العربي، في أمكنة العمل، وعلى أبواب الحانات والمطاعم، وصولا إلى الجالسين على مقاعد المقاهي التي يحتشد بها الشارع من على جانبيه، فإن المظاهر العربية حاضرة بقوة.يتحضر سالم الليلة الى حفلة صاخبة في نادي (كوين) الليلي، الواقع في صلب الشارع. ابتاع تذكرته ب«شق الأنفس»، حيث إن وجود ال(دي جي) التركي الشهير الليلة، قد جعل التذاكر تنفد بسرعة. اضطر الى أن يقف أكثر من 45 دقيقة في طابور، ولم يتمكن من الدخول الا عند الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل.

الحفلة لم تنتهِ قبل الساعة السادسة صباحا. في هذا الوقت، كان العاملون في مكتبة (فيرجن) يتحضرون للوصول الى المحل الضخم عبر المترو. ثمة محطة في أول الشارع قرب قوس النصر، وأخرى في الشارع المعاكس. المحل، الذي تنتشر فروعه أيضا في الشرق الأوسط، ويوجد أكثر من فرع له في دبي، يتمتع بمساحاته الضخمة وطوابقه المتعددة، ومكتبته التي تضم آلاف الكتب، وبعضها من الصعب أن تحصل عليه في أي مكان آخر في العالم. الكتب تصل الى باريس بسرعة. غالبيتها يطبع في مدينة الأنوار.

دور السينما متعددة في هذا الشارع. صورة ميريل ستريب وفيلمها الجديد (جولي وجولي) منتشرة في كل مكان في الشارع. الأشجار الممتدة على طول 20 كيلومترا ترسم بأوراقها لوحات خلابة، وخصوصاً في فصل الخريف.

الفرنسيون يعتبرون هذا الشارع أجمل شوارع العالم. وفي الصيف، وتحديدا في 14 يوليو، يتخذ هذا الشعور طابعه الوطني مع الاحتفالات الرسمية والشعبية التي تقام تخليدا لذكرى سقوط سجن الباستيل في 14 يوليو 1892 خلال الثورة الفرنسية، وفي الشارع أيضا تنتهي كل عام جميع المظاهرات الرياضية الكبرى كسباق الدرجات وماراثون باريس.

إنه شارع للتظاهر بامتياز. ويساعد في ذلك عرضه البالغ 70 مترا وامتداد 20 كيلومترا منذ بدايته عند قوس النصر الذي أقامه نابليون بونابرت تخليدا لانتصاراته العسكرية وانتهائه عند ساحة الكونكورد التي تعتبر بدورها اكبر ساحة في العالم على الإطلاق.

واذا كنت من الذين يصابون برهاب الأمكنة المكتظة، فعليك فعلا أن تتجنب المشي في هذا الشارع في أوقات الذروة، إذ قد يصل عدد مرتادي الشانزليزيه يوميا إلى 300 ألف شخص للتنزه فيها ويصل عدد روادها في نهاية الأسبوع إلى أكثر من نصف مليون شخص يوميا أي ما يقارب مائة مليون سائح في السنة.

والى جانب التسوق والترفيه وشرب القهوة والتنزه، يقصد عدد كبير من السياح هذا الشارع، من أجل ركوب الحالفة السياحية الحمراء التي تؤمن جولة سياحية مصحوبة بدليل ناطق بلغات متعددة، في قلب مدينة باريس (العربية غائبة). ويستمع الراكبون الى تاريخ الأمكنة، بدءا من الشارع الذي أنشئ عام 1616 على يد الملكة ماري دي مديسيس الايطالية الأصل، والتي أمرت بشق طريق واسع ومحفوف بالأشجار بهدف تأمين التنزه للناس وهم في عربات الخيل فيها.

أما عن سر التسمية، فقد أطلق على الشارع اسم الشانزلزيه عام 1709 وذلك بعد أن أشرف على إعادة تشجيرها الخبير في الحدائق الملكية لونوتر عام 1667 حيث ضاعف من عدد أشجارها على صفين منتظمين ومتواصلين من كل جانب.

وقد بقي الشارع طيلة القرن الثامن عشر شارعا يؤمه الناس بالعربات في النهار ويتحول في الليل إلى مكان موحش ومخيف لا يتجرأ الكثير على المرور فيه، ولم يكن فيه سوى بعض المباني، ولم يبقَ أي من تلك المباني القديمة سوى مبنى واحد يقع في الرقم 25 منها بنته الماركيزة بايفا وكانت البرتغالية الأصل وهو يتضمن في داخله سلما من حجر الأونيكس ويعتبر السلم الوحيد من نوعه في العالم.

وحين بنى الإمبراطور نابليون بونابرت قوس النصر في أقصى طرفه للاحتفال بانتصاراته العسكرية، ولكي يخلد فتوحاته الحربية وأسماء الجنرالات الذين عملوا إلى جانبه أصبح للشارع أهمية وطنية أكبر باعتبار أن الجيش الفرنسي كان يمر فيه في ذهابه للحروب وعودته منها. وفي القرن العشرين قررت السلطات وضع نصب الجندي المجهول عند أعتاب قوس النصر الذي يزيد ارتفاعه على الخمسين مترا.

وفي العام 1828 أصبح الشانزلزيه ملكا لبلدية باريس بعد تنازل البلاط الملكي عنها وآنذاك تحولت بسرعة من شارع موحش إلى جادة تضج بالناس وصخب الحياة فعمدت البلدية إلى إنشاء أرصفة عريضة على جانبيها، ونصبت على طول امتدادها الكثير من برك المياه، وعمدت حتى إلى إضاءتها ليلا، حيث وضعت صفا منتظما من عواميد الإنارة بالغاز.

وانتشرت منذ ذلك الحين المقاهي والمطاعم والفنادق وضجت الجادة بالناس لاسيما بالأثرياء الذين كانوا يعبرونها ذهابا وإيابا في طريقهم إلى ميدان سباق الخيل المجاور في لونشان. ومع إقامة المعارض الدولية في القصر الكبير والقصر الصغير المنتصبين على كلا الجانبين في وسطها تحول الشانزلزيه في القرن التاسع عشر إلى ما يشبه قلب باريس النابض بالحياة ليلا نهارا، خصوصا بعد أن أنارتها البلدية عام 1870 بأكثر من 3000 ضوء تعمل بالغاز وتضيء جوانبها.

أما ساحة الكونكورد التي تقع في نهاية الشارع فتزينها تماثيل ضخمة عند مدخل كل شارع متفرع عنها يرمز كل منها إلى مدينة معروفة من كبرى المدن الفرنسية.

وفي وسط هذه الساحة تنتصب المسلة المصرية التي أهداها الخديوي إسماعيل إلى فرنسا، وهي مسلة تعود إلى الفراعنة، وعند أعتابها نصب الثوار خلال الثورة الفرنسية المقصلة لاقتطاع رأس الملك لويس السادس عشر آخر ملوك فرنسا قبل قيام الثورة الفرنسية.