(الليك ديستريكت) أي منطقة البحيرات في الريف الإنجليزي تشكل عنوانا لملذات الطبيعة وحضورها الباذخ بمفردات جمالية مجتمعة بشكل مذهل، فالماء يؤثث المنطقة، بينما تغطي الخضرة الأرض والجبل وجدران البيوت وأسيجة الحدائق وأعمدة الكهرباء، وكأنها لا تكتفي من تأكيد جمالها أبدا، ومناظرها الطبيعية لوحات فنية تجسد الجمال في أبهى حلله.

تقع منطقة البحيرات شمال غرب انجلترا في مقاطعة كمبريا، وهي منطقة واسعة يحدها من الغرب البحر الإيرلندي، ومن الشمال دامفريس في جنوب اسكوتلندا، ومن الشرق منطقة نوثامبريا ونيوكاسل وداراهم، ومن الجنوب منطقة لانكشر، وهي منطقة جبلية تعد من أجمل مناطق الريف في أوروبا، وتضم أكثر من 210 قمة جبلية منها خمس قمم هي الأكثر ارتفاعا في انجلترا؛ منها قمة جبل سكافل بايك، أعلى جبال المملكة المتحدة، إضافة إلى ثلاثة آلاف كيلومتر من الطرق المؤدية إلى الوديان والهضاب المطلة على البحيرات.ومن يزور المنطقة لابد أن يتعلق بمناظرها الطبيعية الساحرة فضلا عن مبانيها التراثية التي حافظت على طابعها العمراني، حيث تحولت المساكن والقصور القديمة إلى فنادق ومطاعم يؤمها السياح وتحتفظ بخصوصيتها في الديكور الإنجليزي الكلاسيكي.

وفي اللوحات الزيتية للمناظر الطبيعية، وحتى أدوات المائدة التي تقدم فيها وجبات الطعام، ويتميز سحر تلك الأماكن باطلالتها على صور مدهشة من الطبيعة تتلون بين منظر لإحدى البحيرات أو الجبال الخضراء وتنويعات الزهور وألوانها المتعددة، فيكون تناول وجبة طعام في أحد تلك المطاعم رفاهية فخمة تضاف إلى متع المكان وجمالياته.

والإقامة على ضفاف بحيرة وندرمير يمثل متعة خاصة فهي أكبر البحيرات في البلاد، إذ يبلغ طولها اثني عشر ميلا وعرضها ميلا واحدا وعمقها مئتين وعشرين قدما، وتتغذى من مجموعة أنهار وعيون وتحيط بها التلال الخضراء والحقول، ويمكن الوصول إليها من محطة القطار في هيوستن في وسط لندن في رحلة تستغرق حوالي أربع ساعات ونصف الساعة، كذلك تنتشر قطعان الأغنام في المنطقة، حيث يحتفل السكان بمواسم جز الصوف ويفخرون بأقمشتهم المصنوعة من الصوف الانجليزي الفاخر.

وفي فصل الصيف نجد المنطقة قد شكلت منطقة جذب للسياح من مختلف بلدان العالم، إضافة إلى كونها تمثل محطات استراحة ومتعة للأباء والامهات الذين أنهوا التزاماتهم في تربية الابناء وتفرغوا لأنفسم بعد سن التقاعد، حيث نجدهم يأتون أزواجا متماسكي الأيدي ومستمتعين بتسلق الجبال أو قيادة الدراجات في الطرق الجبلية الممتعة، إضافة إلى امكانية القيام بجولات على ظهر السفن السياحية الصغير التي تنتقل في البحيرات وتظهر متعة المناظر الجبلية الخضراء المحيطة بالماء، إضافة إلى اطلالات المباني التاريخية والقلاع والقصور القديمة التي تحولت إلى متاحف ومعارض توثق لتاريخ المنطقة.

وتتميز طبيعة أبناء الريف الانجليزي بالبساطة والتسامح والالتزام بالتقاليد العريقة كالقاء التحية والتزاور، ولاتزال الامهات يحرصن على الاعتماد على منتجات الحديقة المنزلية في توفير الخضراوات والفواكه وخصوصاً البطاطا التي تعد بطرق ونكهات مختلفة، وتفخر المخابز المحلية باعداد معجنات الزنجبيل التي تمثل منتجا محليا يتميز بجودته وطبيعته المنزلية، إضافة إلى كعكة التمر بصلصة التوفي التي تمثل ابداع التحلية الانجليزية وينصح بتناولها في المطاعم الموجودة في المنطقة.

وفي فصل الصيف لا تغيب الشمس عن منطقة البحيرات حتى الساعة العاشرة مساء؛ فيمكن أن يستمتع المرء بالضوء ويجلس على ضفاف البحيرة مستمتعا بتقافز أسماك السلمون وأسراب البط العراقي الذي يتجول بحرية على سطح الماء ويمكن تناول المرطبات المصنوعة من منتجات المنطقة من الحليب والفواكه والمحلاة بالعسل الطبيعي.

والمعالم التاريخية في المنطقة تشكل سجلا يفخر به أبناء المنطقة حيث يشكل منزل الشاعر الشاعر وليام ووردز ورث متحفا يأتيه السياح والمهتمون بالأدب الرومانسي من كل مكان؛ فيطلعون على ذكريات الشاعر في المنطقة التي قضى طفولته فيها وغادرها ليعود مرة أخرى إلى أحضانها، ويعيش فيها حتى أيامه الأخيرة، وقد أثرت الطبيعة بالشاعر فألف كتابا عن المنطقة عام 1810م .

ولا يمكن للزائر أن يغفل منزل كاتبة الأطفال العالمية بياتريس بوتر التي أبدعت أجمل حكايات الأطفال في بيتها المطل على البحيرة، وقد أصبح المكان معرضا يضم جوانب جميلة من إبداعها وأبطال قصصها المصورة الجميلة التي أمتعت الأطفال، وأبدعت لهم عالما جديدا يمكن أن تشاهد شخصياته مجسمة في بيتها.

ومن المعالم السياحية الأخرى متحف توليشٌٌِّيم بَُِّّم حَِّّمٍِّتم فَل ءُّْ افٌٌمْلالا الذي يعود تاريخه إلى نهاية القرن الثامن عشر ويضم أعمالاً فنية مختلفة وصالات عرض كبيرة وتميز بالحدائق المحيطة به، وقد حصل على جوائز متعددة لأهميته السياحية.

وكون المنطقة خصبة وتتوافر فيها مزايا طبيعة خاصة فقد كانت موطنا للحيوانات والطيور وانواع الاسماك المختلفة، وهي تعد من أكثر المحميات الطبيعية المكتظة بالسكان، إذ تتوافر فيها روح الطبيعة الخالصة وطباع القرية المنتجة التي تعتمد على الزراعة وتربية الماشية، وقد أصبحت كذلك منطقة جذب للمشاهير الذين يطلبون الراحة والخصوصية والابتعاد عن صخب المدن الكبرى، وهي مصيف لأبناء المدن البريطانية يأتون إليها لممارسة الرياضات المائية وتسلق الجبال والتمتع بما توفره الطبيعة هناك.

ومع ما تتميز به المنطقة من مزايا جمالية فهي تقدم نموذجا للحياة النشيطة الحافلة بالعروض الفنية والفعاليات المختلفة، وقد أسهم التطور الصناعي في تسهيل الوصول إليها وتوفير الخدمات الميسرة من دون أن تؤثر في جماليات الطبيعة أو تشوهها، فأبناء البحيرات يعتزون بتراثهم وعاداتهم الرصينة، ويهتمون بتقديم صورة جميلة عنهم، وعن مناطقهم للسياح.

وقد أثرت الطبيعة في شخصياتهم بشكل ايجابي جعل تفاصيل حياتهم تمر بسلاسة بعيدة عن الغضب والانفعالات والتوتر، فحتى الطريق الضيقة التي لا تتسع أكثر من سيارة واحدة ذهابا أو إيابا لا تشكل صعوبة عندهم، إذ إن أيا منهم يتوقف ليسمح للآخر بالمرور من دون أي مشكلة أو تذمر، ويمكن للسائح أن يكتشف جماليات الحدائق الانجليزية التي لا يمل أبناء المنطقة من العناية بها وتنظيمها بشكل جمالي مؤثر.

قمم

تعد قمم الجبال في منطقة البحيرات التي تكتسي بالخضرة وتمثل وجهة جاذبة لمتسلقي الجبال، من أعلى قمم المملكة المتحدة إذ يتجاوز ارتفاعها ثلاثة آلاف قدم.

كتب

كتبت عن المنطقة مجموعة من الكتب أولها كتاب سيليا فيينيس عن رحلتها حول انجلترا عام 1698، ثم تبعتها كتب أخرى وثقت لجغرافية المكان وجمالياته.

دبي- دلال جويد