عندما يصبح تقديم حلقة تلفزيونية أو إذاعية بين قطبي معد ومذيع؛ فهذا يعني في الواقع أن ما يربط بين الاثنين هو تلك الورقة التي تحمل مجموعة من الأسئلة، فالمعد وقف عند تصور معين من الأفكار لمناقشتها، والمذيع أشبه ما يكون في الواقع بوسيط يسأل ليس إلا، بعيداً عن مستوى معارفه أو ثقافته.
ومتجردا ـ أيضاً ـ من قناعاته المعرفية تجاه ما يسأل عنه كشخص سيسمع إجابات لتلك الورقة التي تحملها يده؛ فالمعد ينظر إليه على أنه غواص البحار الذي يجيء للمشاهد أو المستمع بلؤلؤة من كل بحر، والمذيع يرى بأنه يخرج من كل ورقة بصوته الشجي زهرة، ومع هذا يبقى دور المُعد هو الأهم في بث أي حلقة إذاعية أو تلفزيونية. (الحواس الخمس) استطلع هذا الموضوع مع مجموعة من الإعلاميين الذين أكدوا أن المعد حقه مهضوم إعلاميا، بل إنه نجم خلف الكواليس.تقول مريم السركال، الإعلامية والمخرجة بقناة (نور دبي): هناك نجوم لا نعرف وجوههم.
ولا يشعر بهم ألاالمشاهد لأنهم يعملون في صمت وراء الكاميرا في برامج تعد من أنجح البرامج، وتستحوذ على أعلى نسبة مشاهدة، ويرتبط بكل برنامج منهم باسم إعلامي ضخم، ولكننا لا نعرف شيئا عمن يقف خلف كاميرات هذه البرامج من مُعدين ومصورين ومخرجين وغيرهم. السركال من منطلق تجربتها الإعلامية تجزم أن مهمة الإعداد ليست سهلة أبدا، فهناك الكثير من الصعوبات التي كانت تواجهها، وتدور دائما خلف الكاميرا، «لذلك لا يعلم المشاهد مدى التعب الذي نعانيه، فالتقرير الذي نشاهده في خمس دقائق ألايأخذ أياما في إعداده، ومع هذا؛ فإن سعادتي تكون في قمتها عندما يخرج هذا التقرير كما خططت له». المعد نجم خلف الكواليس، بل يعد أيضا، من وجهة السركال، غواص البحار الذي يجيء للمشاهد أو المستمع بلؤلؤة من كل بحر.
إصرار وجُهد المعد يبدأ من الصفر ومن ثم يصل بالبرنامج إلى درجة الكمال بمساعدة آخرين؛ منهم من هم خلف الكواليس ومنهم من يسلط عليهم الضوء، تقول سوزان أبو دف، مُعدة بقناة سما دبي، ومن مهامها برنامجان هما (حراير)، الذي يُعنى بتفاصيل الجمال والإبداع من خلال مروره على جوانب عدة منها مصممات الأزياء الإماراتيات ومشوارهن مع التصميم، وخبيرات التجميل الإماراتيات ولمساتهن، كما يقدم البرنامج عرضا حيا لآخر مجموعات المجوهرات والذهب، وآخر صيحات التجميل من منتجعات صحية. إضافة إلى المواد التي تدخل عالم التجميل. كما تُعد سوزان برنامجا آخر هو (المرسى) الذي يعرض أخبار الفعاليات اليومية في إمارة دبي وباقي الإمارات، كما يتضمن أيضاً طرح موضوع معين للنقاش: إن عملي في الإعداد يتطلب كثيراً من الإصرار والجد والبحث والمواصلة، إلى أن أتمكن من ترجمة الفكرة إلى أرض الواقع.
وإظهارها على شكل لقطات ومشاهد تلفزيونية، مؤكدة أن المعد يجب أن يبدأ من نقطة الصفر، فهو صاحب الفكرة التلفزيونية، سواء كانت برنامجاً أو مسرحية أو مسلسلاً، ومن ثم يجتهد المعد لنقل الفكرة إلى صورة بمساعدة جهود كثيرة في التلفزيون، لعل أبرزها المخرج والمذيع.
المُعد هو الأساس
وتحقق منى الظاهري، المعدة بإذاعة وقناة (نور دبي) نجاحاً كبيراً في مجال الإعداد التلفزيوني، حيث تُعد حاليا برنامجا تتابعه شريحة كبيرة من الجمهور، وهو (البث المباشر)، إضافة إلى برامج سابقة منها (قابل للنشر) و(عُقب التراويح) تقول: أبذل جهدا كبيرا في إعداد برنامج (البث المباشر)، من خلال متابعة البريد الإلكتروني، والرسائل النصية، وتلقي المكالمات الهاتفية التي يصل معظمها أحيانا إلى 40 مكالمة؛ الواحدة منها أحياناً تتجاوز 10 دقائق، الأمر الذي يتطلب أحيانا تحويلها إلى مذيع البرنامج.
المعد في أغلب القنوات الفضائية، من وجهة نظر الظاهري، يبقى الأساس في أي برنامج تلفزيوني؛ «فكل ما يظهر هو نتاج أفكار المعد، إضافة إلى التفاصيل المتعلقة بالصورة لابد أيضا أن تكون مكتوبة على الورق، وفي النهاية يأتي المخرج ليضع بصماته الفنية، ويحوِّل النص الكتابي إلى صورة».
لغة الإبداع
الإعلامية منال أحمد تألقت منذ ظهورها للمرة الأولى على شاشات التلفزيون، ونجحت بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف بطلتها الرائعة وحضورها المتميز وثقافتها العالية في تقديم الكثير من البرامج الحوارية والاجتماعية، لتتابع مشوارها الإعلامي كمحررة ومراسلة في نشرة أخبار (علوم الدار) على قناة أبوظبي، تقول: كانت لي تجارب سابقة في إعداد البرامج التلفزيونية.
واستمعت كثيرا لسهولة المهمة، مُضيفة أن سنة الحياة والقاعدة العملية تقول دائماً إن هناك أشخاصاً يظهرون على الشاشة، وآخرين من خلفهم يدفعونهم للظهور، وشيء حتمي أن يكون أناس تحت الأضواء وغيرهم في الظل، وهذا لا يعيب عمل أي منا في مجال التلفزيون، لأن لغتنا جميعاً واحدة وهي «الإبداع».
وعلى الرغم من أن ما يأتي به المذيع هو كلام مكتوب إلا أن تعاطي كل مذيع مع الحدث يختلف من شخص إلى آخر، يقول الإعلامي زاهر هرموش: إن ما يأتي على لسان المذيع في معظم البرامج هو كلام مكتوب بجهود المعد، ويبقى في النهاية أن لكل مذيع نصيباً خاصاً من الكتابة والإعداد التلفزيوني، ناهيك عن أن تعاطي المذيع مع الحدث يختلف من شخص إلى آخر، حيث إن المطلوب في النهاية عدم الخروج عن النص المكتوب، إلا في حالات تبقى ضرورة حتمية لظرف طارئ، وتكون بالتنسيق بين المخرج والمذيع.
مهمة سهلة
الإعلامية الإذاعية عائشة نصيب، التي تتألق في تقديم برنامج (حكي بنات) مع زميلتها هبة مصطفى عبر أثير «العربية»، تعتبر إن إعداد البرامج مهمة جميلة وسهلة، وتجد ذاتها في إعداد وتقديم برامج تحتضن اسمها، خصوصاً أن العمل الإذاعي ممتع، على حسب تعبيرها، إضافة الى أنها وجدت نفسها في الإعداد، لأنه متجدد وخال من الرتابة، وهناك حيوية خاصة عند الحديث مع قضايا وأمور تهم المستمعين، الأمر الذي أشعرها باحترامها لنفسها، على حسب تعبيرها.
الباب الأوسع
ويهاجم الإعلامي راشد عتيج، معد ومقدم برامج (خلف المايكروفون) في إذاعة القرآن الكريم في أبوظبي، ويقدم (صباح النور) و(روائع النشيد)، الذين يظنون أن عمل المعد لا قيمة له، ومن الممكن أن ينجح البرنامج من غيره، يقول: يعتقد الكثيرون أن وظيفة المعد عمل تقليدي لا وزن له في ميزان الصورة التلفزيونية والإذاعية.
لكن الواقع عكس ذلك؛ فالمعد واجب عليه البحث والتقصي دائماً، وخطأ صغير كفيل بأن يهدم الفكرة أو يحدث خللاً. ويبقى الإعداد، من وجهة نظر راشد، الباب الأوسع، ومن خلاله يمكن أن يدخل الشخص المُعد إلى مجال الكتابة في أمور متعددة ومتنوعة، فهو خلاصة بحث وتأليف واجتهاد كبير.
رأس المال
الأفكار هي رأس مال المعد وتأتي غالباً بالبحث والتقصي ومتابعة وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمكتوبة، تقول فاطمة عابدين، منتجة ومذيعة ومخرجة: يستطيع المعد من خلال المعايشة الكاملة للواقع المحيط به، وإحساسه بمشكلاته وقضاياه واهتماماته أن يلمح الأفكار التي تتناسب مع سياق البرنامج الذي يعده.
وتعتبر المتابعة الدائمة لوسائل الإعلام المختلفة، والقراءة للكتب المختلفة، والدراسات التي تقوم بها مراكز البحوث والجامعات؛ كل هذه تمثل روافد مهمة لخلق أفكار جيدة، لأن الفكرة هي «رأس مال المعد»، مُضيفة أنه في ظل فورة الفضائيات، وطفرة البرامج التي تقدم عليها، باتت مسؤولية المعد أصعب بكثير، وذلك لمحاولة خلق تميّز واضح وجذب مشاهد ملّ البرامج المنسوخة والمقلّدة.
دبي ـ جميلة إسماعيل



