«ساهم حبي لليوناردو دي كابريو في أن يكون لي طفل افريقي».. لا داعي للهلع، فهذا الكلام لا يحتمل أية «شبهة فضائحية». وقائلته صبية تدعى رنا تعمل في قسم التسويق التابع لأحد المصارف في دبي.. وحكايتها أنها، في ذلك المساء، خرجت من صالة السينما التي تعرض فيلم «الألماس الدامي (بلادي دايموند)»، وقد حزمت أمرها تجاه قرار جريء»: سوف يكون لي طفل افريقي، أنفق على مأكله ومشربه ولباسه وسماكة القش في الكوخ الذي يسكن فيه».
في اليوم التالي، وتحت «خدر» التعاطف الذي ملأها تجاه دور الممثل الاشقر دي كابريو في الفيلم، الذي حارب مافيات تجارة الماس دفاعا عن الفقراء الأفارقة، قصدت الصبية فرعا لشركة عالمية متواجدة في دبي اسمها (اول آز وان)، والتي تؤمن للراغبين خدمة «تبني» طفل فقير في سيراليون نظير 33 دولارا في الشهر:» لطالما رغبت بذلك، رغم ان بعض الأصدقاء اعتبروني مجنونة، بل وساذجة، إلا أنني حصلت من الشركة على كل الإثباتات التي تظهر جدية عملها وإنسانيته». ربما هي أداة خير بحق، وربما في الأمر دعاية وتسويق، وربما.. لكنّ الأكيد، أن مفاهيم «البزنس النبيل» قد وجدت لها في الآونة الأخيرة أرضا خصبة وباتت تجذب الكثيرين.
ولا يعرف الأطفال في جيبوتي أو جزر القمر أو السودان او تشاد، رنا و«اخواتها» من المتبرعين. ولا يتسنى لهم أن يحصلوا على صورة لها، كما فعلت هي حين طلبت من الشركة تزويدها بصورة ل« ابنها الافتراضي»، بكت حين حصلت عليها وعلقتها فوق السرير الى جانب «بوستر» دي كابريو..
لكن الأسماء ليست المسألة، فدين الاسلام يحرض على الخير الذي لا تغلفه الدعاية. المسألة تتمثل في أن المتبرعين مقتنعين أن أطفال منطقة دخيل الجيبوتية، اولئك الذين لم يعرفوا غير رطوبة البحر الأحمر تغلف حياتهم بين المراكب المكسرة، قد وجدوا أخيرا طريقهم الى المستقبل، أو أن لهجة «الشيكومور» التي يتحدث بها أهالي جزر القمر قد دخلت الى قاموسها مفردات جديدة تتحدث عن الأمل الحقيقي والطموح الجدي. ولعل الأطفال السارحين على ضفاف نهر لوغون في التشاد، سيرمون في مياهه مزيدا من المراكب الورقية التي تسرب أحلامهم الى الخارج: « حتى لو كان في الأمر كسب او ربح، لكن الغاية النبيلة تبقى الاسمى بنظري»، تقول.
«قهوة عادلة»
في فندق «نوفوتيل» في دبي، يسترخي الزوار على الكنبة الجلدية المريحة في البهو الخارجي. يحملون الفناجين، ويرشفون منها القهوة بتلذذ تكشفه ابتسامتهم الراضية. في واقع الأمر، البن الذي تعلق آثاره على الشفاه ليس بنّاً عادياً. هو ما يسمّى بـ «البنّ الأخلاقي». يقول مسؤول في الفندق: منذ فترة ونحن نعمل باستراتيجية «التجارة العادلة»..
وأكثر دقة: «القهوة العادلة» التي تدعم بطريقة مباشرة مزارعي البنّ في دول تبعد مئات آلاف الكيلومترات عن دبي». ويشرح أن هناك منظمات دولية تشتري رطل البن عالي الجودة من مزارعي «ماتاغالبا» و«جينوتيغا» في نيكاراغوا ومن دول أخرى في أفريقيا وأميركا اللاتينية بضعفي السعر الذي تشتري به الشركات المحتكرة لهذه الصناعة. هكذا يتم دعم هؤلاء المزارعين المهددين بفقدان وظائفهم بسبب المشكلات الاقتصادية الجمة التي يواجهها هذا القطاع على الصعيد العالمي ومنذ أواخر 2003 بسبب الزيادة الكبيرة في الإنتاج.
ويباع البن إلى الموردين بسعر أعلى من السعر العادي، ثم تشتريه جهات استهلاكية وتبيعه على شكل قهوة بزيادة سعرية إضافية. هكذا يدفع رواد الفندق حوالى دولار إضافي على الثمن الشائع لفنجان قهوة ويبتسمون لدعمهم مزارعي نيكاراغوا واليمن.. من دبي. «أحبّ هذا النمط من العمل الخيري، البلد هنا يعطيك الفرص لتشارك في الأعمال الخيرية بطريقة أنيقة!»، يقول سلمان قبل أن تأخذه موسيقى الجاز التي كانت تصدح من نادي «بلو بار» في الفندق الفرنسي، معلنة بداية السهرة وانتهاء القهوة.
عش قويا
تتباهى أمينة بأساور صفر وزرق، من البلاستيك الطري. على واحدة كتب «بيليف» أي «إيمان» وعلى الأخرى خطت «ليف سترونغ» أو «عش بقوة». لا تعرف أمينة الكثير عن هذه الأساور ومعنى الكتابات المنقوشة عليها: «اشتريتها بينما كنت أتجوّل في مانجو (محل ألبسة نسائية في دبي). قالوا لي إن بشرائي اياها، أدعم مراكز علاج المصابين بالسرطان في الولايات المتحدة الأميركية». هل أنت متأكدة من ذلك؟ «لا أعرف»، تجيب، «المهم أنها أساور جميلة وموضة وفيها عمل خير».
قبل عشر سنوات تقريباً، أصيب الدرّاج الأميركي الشهير لانس أرمسترونغ بمرض السرطان الذي تسلل إلى رأسه وفقد الأمل في إمكان عيشه. إلا أنه بإرادته الشديدة وصلابته في مواجهة الموت الخبيث، استطاع البطل الذي تحوّل أسطورة بعد فوزه في سباق فرنسا للدراجات ست مرات متتالية أن يفوز في مواجهة مرضه. اعتزل ارمسترونغ منذ شهور 3 سنوات وأكثر. وقرر التفرغ لدعم مراكز علاج السرطان في أميركا. منذ ذلك الحين، امتلأت أيادي الأميركيين بأساور صفر وزرق يعود ثمن شرائها إلى دعم مراكز ارمسترونغ.
أمينة، في دبي، لا تعرف إذا كانت الأساور التي ترتديها جزءاً من هذا المشروع، لكنها واثقة أنها «موضة خير». على الأرجح: «خير». المؤكّد: موضة انتشرت بين شباب يهوى التقليد وتجذبه «الصرعات».
دبي - إبراهيم توتونجي

