للمنتج السينمائي العراقي عطية الدراجي تجربة فريدة في المشهد السينمائي العراقي؛ فبعد أن كان عدد دور العرض السينمائي في العراق تناهز 270 داراً؛ لم يبقَ منها بعد سقوط النظام سوى 3 دور عرض في بغداد، فقد تم تدمير بعضها؛ بينما تحولت الدور الباقية إلى محلات تجارية، أما تجربة الدراجي فهي محاولة فردية في إعادة الروح السينمائية للواقع العراقي، فقام بشراء آلة عرض سينمائي «35 ملم» وتنقّل مع فريقه في مختلف محافظات الفرات الأوسط والجنوب العراقي ضمن مهرجان «السينما المتنقلة» الذي أسسه، لعرض الأفلام العراقية الجديدة على جمهور تلك المحافظات في الهواء الطلق، كما عرضها في معسكرات الجيش والجامعات والساحات العامة، لإعادة جزء من الثقافة السينمائية للإنسان العراقي.
يقول الدراجي: حين قمنا بتصوير فيلم «ابن بابل» في بعض مناطق الجنوب؛ لاحت لي الفكرة بعد أن رأيت فضول الناس واحتشادهم بالمئات حولنا وسؤالهم عن موعد عرض الفيلم، فقمنا بهذه الخطوة وعرضنا الأفلام بصورة مجانية، لمعرفتي بحب العراقيين للسينما، وتشكيل نوع من الضغط على المؤسسات الحكومية لدعم السينما، ووصلنا في جولتنا إلى أبعد نقطة في الأهوار العراقية، وقد كان أصحاب دور العرض السينمائي في بغداد أيام الستينات يبثون دعايات الأفلام الجديدة عن طريق بطاقات دعائية ترمى جواً من هيلكوبتر مؤجرة.
وكان المشاهد العراقي حتى الثمانينات نخبويا في اختياره للأفلام التي كان يشاهدها، فكان يفضل ويشاهد الأفلام العميقة لا السطحية، فأردت بخطوة «السينما المتنقلة» أن أعيد بعض أيام الزمن الجميل، وقد أدت سيطرة النظام السابق على الحياة الثقافية العراقية إلى دمار شامل سبق دمار الحرب في 2003م، ونالت السينما نصيبها من ذلك الدمار، فأنتجت أفلاما تصب في زاوية تمجيد الفرد والحزب القائد وما إلى ذلك من ترهات سياسية كأفلام الأيام الطويلة والأسوار؛ بل إن فيلما مثل«الملك غازي» الذي أنتج في التسعينات كان يصب بذات الاتجاه رغم معالجته لشخصية تاريخية، ففي نهاية الفيلم تظهر لقطات تشير إلى فكرة النظام البعثي بتبعية الكويت للعراق.
ميزانية مفتوحة
حين سيطر حزب البعث على السلطة في العراق عام 1968م؛ حاول منذ البداية تسخير الثقافة والفنون بما يخدم مصالحه وأفكاره؛ وكانت التجربة الأكثر مرارة حين وصل «صدام» إلى الحكم بعد إقصاء أحمد حسن البكر عام 1979م، ولعل أبرز محطات عبادة الفرد وترسيخ نظرية البطل الأسطوري تكمن في فيلم «الأيام الطويلة» الذي يحكي قصة صدام وكتبه عبد الأمير معلّة مدير مؤسسة السينما والمسرح يومها.
وأخرجه المخرج المصري -المحسوب على اليسار- توفيق صالح، أما البطل الذي أدى دور صدام حسين فهو صدام كامل -أحد أقارب الرئيس السابق وزوج ابنته رنا لاحقاً- وهذا الفيلم هو الوحيد في تاريخ السينما العراقية والعربية الذي لم تكن له ميزانية بل جاء القرار الرئاسي ميزانية مفتوحة يسيل لها لعاب أقصى اليمين واليسار وماركس في قبره، ومن المفارقات التي ذكرها مخرج الفيلم بعد عودته لمصر أن «صدام» أمر في ليلة عرض الفيلم بإعادة مونتاجه من جديد ورفض أن يظهر عليه -أي في الفيلم- أي ملامح ألم أثناء عملية استخراج الرصاصة من رجله التي أصيب بها أثناء محاولة اغتيال الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم.
وأنجز المصري توفيق صالح ذلك بالفعل، ومن المفارقات التي حدثت بعد الفيلم هي قتل الممثل الرئيسي في الفيلم «صدام كامل» بأمر من صدام حسين نفسه بعد هروبه وشقيقه حسين كامل إلى الأردن وعودتهما الغامضة للعراق، وبالتالي جرى منع عرض الفيلم في التلفزيون العراقي ودور السينما -بعد أن ظل هذا الفيلم يطارد العراقيين في كل مناسبة وطنية- أما فيلم «بيت صدام» الذي أنتجته عام 2008م وتحول إلى مسلسل فقد أدى دور صدام فيه الممثل الإسرائيلي ياجال ناور، أما كاتب الفيلم عبد الأمير معلّة فقد تمت معاقبته بضرب شديد في إحدى قاعات القصر الجمهوري ببغداد بعد اكتشاف انتساب ولده لتيار ديني معارض لنظام صدام؛ وقد أدت عملية الضرب تلك إلى وفاة كاتب سيرة الديكتاتور، وتأتي المفارقة الأخيرة لهذا الفيلم بالقبض على صاحب القصة الأصلية «صدام» وإعدامه شنقاً بعد سقوط نظامه.

