كانت الشابة الممتلئة إيناس محمد تتحدث بحرقة وكأنها تدافع عن نفسها قائلة «لست شرهة لكني حين أكون غاضبة أو حزينة ألتهم كل ما أراه أمامي، وبعدها استسلم لحالة الشعور بالذنب وزيادة الوزن والكآبة».
إيناس التي تلتزم بنظام حمية غذائية صارم، كما تقول، تفقد السيطرة على نفسها في حالات الغضب؛ فتمر بنوبة من الشراهة لا تتوقف فيها عن الأكل حتى التخمة، وتلك الحالة من الشراهة المفاجئة ليست خاصة بها وإنما تعاني منها كثير من الفتيات اللائي يكافحن السمنة بأنظمة مختلفة من الريجيم؛ لكنهن ينسفن ما فعلن بنوبة من نوبات النهم للطعام لا يجدن تفسيرا لها سوى اقترانها بالحالة المزاجية والنفسية لهن. وتلك الحالة الغريبة من الشره تجد لها تفسيرا خاصا في الطب النفسي يشير إليه الدكتور خليل الكرخي اختصاصي الطب النفسي قائلا: تأثير الامراض النفسية ينعكس بصورة عامة على سلوكيات الانسان، حيث يعد تناول الطعام واحدا من تلك السلوكيات، وعادة في حالات الاكتئاب والقلق النفسي تقل الشهية للطعام لكن حوالي 15% من المصابين بالكآبة تزداد شهيتهم للطعام، ويسمى هذا النوع من الأكل بأكل التسلية ومعظم حالاته تنطبق على ربات البيوت اللائي يفتقدن الهوايات المتنوعة فيكون تركيزهن على الأكل والطبخ فقط، أما الشراهة المفاجئة للطعام فهي نتيجة نوع من الأمراض النفسية يسمى البوليميا «ٌِّيٍيف» الذي يصيب النساء في الغالب حيث تلتزم المرأة أو الفتاة بنظام طعام معين وثابت، لكنه يتعرض فجأة لحالة من الشراهة الكبيرة للطعام يتم فيها تناول كميات كبيرة من أطعمة مختلفة أو نوع معين من الطعام، وبعدها ينتاب المريضة شعور بالاثم والذنب ما يجعلها تحاول التخلص من الطعام بالتقيؤ المصطنع أو بالأدوية الملينة أو ممارسة رياضة عنيفة للتخلص من تبعات تلك الشراهة.
والاكل العاطفي الذي يأتي نتيجة ضغوط نفسية أو انفعالات عاطفية يؤدي إلى شعور متواتر بالذنب وعدم الرضا عن المظهر واضطرابات صحية مختلفة تضاف إلى مشكلة السمنة التي تعاني منها بعض المصابات بالشراهة، إذ يرى الدكتور حيدر مهدي كبة، اختصاصي الجراحة العامة أن مركز الشهية في الدماغ يكون على علاقة طردية مباشرة مع الحالة النفسية، وهذا الاضطراب في الاقبال على الطعام بشدة مرة، وتركه مرة أخرى يمكن أن يؤدي خللا في بنية الجسم التحتية التي تعتمد على ما يتناوله الانسان وطريقة تناوله، اذ إن حرمان الجسم من الغذاء يؤدي إلى حرمانه من المواد الاساسية في عمل الأجهزة؛ فيؤدي نقص الحديد إلى خلل في عمل كريات الدم الحمراء، يتبعه خلل في الجسم بكامله، إضافة إلى أن الاكل النهم يجعل الجسد يخزن الدهون في مناطق مختلفة منها، ما يؤدي إلى السمنة التي تكون سببا في أمراض مختلفة معروفة، ونقصان كل عنصر غذائي يؤدي إلى نقصان وظيفة من وظائف الجسم تكون معتمدة في عملها على هذا العنصر.
العزوف عن الطعام أو الاقبال عليه بشراهة يرتبط بأعمار المراهقات في الغالب، حيث تعمد بعض الفتيات إلى رفض الطعام والبحث عن وسائل التنحيف المختلفة، تقول سوسن عماد، 16 عاماً: أنا لا أحب أن أبدو بمظهر الفتاة البدينة؛ فحتى لو ابتسم لي الناس، فإنهم سيكونون غير راضين عن مظهري، لذا بدأت ممارسة الرياضة بشكل مستمر، اضافة الى أني أتجنب معظم أنواع الأكل المطبوخ، واتناول الوجبات الخفية ولا آكل الأجبان أبدا، لكن مشكلتي تكون في المناسبات، إذ إني افقد السيطرة على نفسي، وآكل بطريقة أندم بعدها واعمل ريجيم قاسيا اسبوعا كاملا.
ويهتم اختصاصيو التغذية بالتوعية الغذائية للفتيات لتحقيق نظرة متوازية لأجسادهن تخفف شعورهن بعدم الرضا على أوزانهن، والتعرف إلى أهمية الغذاء المتوازن، يقول الدكتور حسام العيسى، اختصاصي التغذية: علاقة الانسان بالغذاء تبنى في اتجاهات مختلفة، منها ما يعتمد على تصور الانسان للمنافع النفسية للغذاء، فلا يخفى علينا أن الغذاء بكل كيمياء عناصره ومكوناته يؤثر في الجبهة الداخلية فيعطي خاصيتي الانفعال والتكيف اللتين تدفعان الانسان لينبض وينشط دماغه.
والأمر المثبت علميا أن التناغم الهرموني يعمل جنبا إلى جنب مع النظام العصبي داخل جسم الانسان وينصب تأثيرها مباشرة على الاحساس بالجوع أو الاكتفاء، لذا إذا ما انخفض مؤشر الطاقة أو أصيب الجسم بحالة من التردي العاطفي أو العوز إلى الهدوء والسكينة يلجأ الانسان الى تناول الطعام، وهذه الحالة تكون ملاصقة لفئة كبيرة من الناس خصوصاً الإناث، لأن تلك التغيرات والدوافع تبنى على حالة من التغيرات الهرمونية التي يشهدها جسم المرأة، وهو الذي يوصف بمستوى يفوق نظيره عند الرجال، لذا توجد حالات مرضية من رفض الطعام أو الاقبال عليه تستدعي إلى رعاية نفسية وصحية متقدمة خاصة للمصابين بفقدان الشهية العصبي، والوعي الغذائي هو الذي يسهم في تغيير سلوكيات الحياة السلبية اليومية في تناول الطعام، وفي علاقة الانسان مع جسده.
والأكل العاطفي الذي يرتبط في الغالب بالفتيات وانفعالاتهن وعلاقتهن بمفهوم الجسد والهوس بالرشاقة ينعكس بشكل واضح على العلاقة بالطعام، لأن تناوله بكميات كبيرة يؤدي إلى السمنة، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الفتيات المراهقات لا يبحثن عن الجانب الصحي في تناول الطعام، بقدر بحثهن عن فرص الحصول على جسد رشيق؛ كأجساد عارضات الأزياء، ما يوقعهن في حالة من اليأس والإقبال على الطعام بشكل مرض تعويضاً عن الحرمان الذي مررن به سابقاً، ولم يحقق النتائج المرجوة.
دبي- دلال جويد



