هواية الفنان كمال الشبكشي أحد أبرز الفنون الشرقية التي امتازت بها مصر عبر العصور، فمنتجاته النحاسية أبهرت السياح على اختلاف جنسياتهم، ووصلت شهرته إلى العالمية متربعًا على عرش المصنعين على مدى 50 عامًا، حتى أصبح من أشهر هواة النقش على النحاس فلقبوه ب«شيخ النحاسين».

ورشته تتعالى فيها أصوات المطارق التي تنهال على الأواني المطلوب تصنيعها، فتحصل القطعة النحاسية على حظها من العناية واللمسات الأخيرة، لذلك ليس مستغربا أن تكون لديه معروضات نحاسية مختلفة تحتوي على كل الفنون والحضارات القديمة، وتمزج بين عبق الماضي وأصالته ونكهة الحاضر وفنه وجماله.. كمال الشبكشي شيخ النحاسين بوكالة الغوري وتحت الربع وباب الخلق وشارع الأزهر في وسط القاهرة، ورث المهنة أبًا عن جد، وتمنى أن يسير أبناؤه على الدرب نفسه. وسط المشغولات المزيَّنة بالزخارف والرسوم والنقوش الغائرة والنافرة من المباخر وأطقم الساعات والتماثيل والأطباق والبراويز أجرينا معه هذا الحوار .. يقول شيخ النحاسين: تشبّعت المهنة من والدي ووجدت في أعمالي إبداعًا أشاد به غيري، وكانت وفاة والدي لحظة حاسمة لإخراج كل ما لديَّ من طاقة، فتركت الدراسة وتوجّهت إلى الورشة بعد أن تحملت مسؤولية أسرتي، وكان ذلك منذ ما يزيد على نصف قرن تقريبًا فاستطعت خلال ذلك تنفيذ أعمال لاقت قبولاً.

أكثر العوامل التي أثرت في هاوي النقش على النحاس وانعكست على إبداعاته، مساجد السلطان حسن والرفاعي والأزهر، وعن ذلك يقول: استطعت تنفيذ زخارف إسلامية أذهلت أساتذة كليات (الآداب والآثار والفنون الجميلة)، بعد أن وثقت معلوماتي بالاطلاع على جميع المراجع الموجودة بدار الكتب المصرية، بالإضافة إلى التعرف على كل ما هو جديد عن هذا الفن، كما اكتسبت خبرة كبيرة من خلال وجودي بشكل يومي في ورش خان الخليلي، وعندما شعرت أن جهدي يذهب لغيري قررت فتح ورشة خاصة بي لعمل المشغولات الفرعونية والعربية والإسلامية التي تحتاجها المساجد والمتاحف والكنائس أيضًا.

بسؤاله عن الأدوات المستخدمة في النقش قال : إنها آلات بسيطة عبارة عن منضدة خشبية ومطارق حديدية خفيفة ومتنوعة وأقلام حَفْر فولاذية وأزاميل وأحماض مؤثرة تستخدم في التلوين وأقلام الرسم.

وتمر عمليات زخرفة النحاس، على حد قوله، بثلاث مراحل: الأولى الحفر أو النقش، والثانية الحفر أو النقر البارز، وهو أقل دقة من النقش، أما الطريقة الثالثة فهي تنزيل الفضة على النحاس، وهذه الطريقة لا يعرف سرها إلا القلائل.

أباريق وشمعدان

يتذكر الحاج كمال أيام زمان عندما كان جهاز العرائس يعتمد أساسًا على المشغولات النحاسية من أوانٍ وأباريق وشمعدان، أما الآن فقد اقتصر على الأزياء كنوع من الديكور الشرقي فتقبل عليها ربات البيوت الهاي كلاس، كذلك أصحاب المطاعم والفنادق الذين يخصصون أركانًا شرقية يتم تزويدها بقدور نحاسية وأطقم شاي مكونة من الصينية النحاسية والبراد والأكواب.

يعتبر شيخ النحاسين أن الأواني النحاسية صحية أكثر من المصنوعة من الألومنيوم، حيث تستعيد لونها الأصلي بمجرد تنظيفها بالمنظفات الكيميائية، عكس ما كان يشاع قديمًا من أنها تسبب الأمراض وخلافه.

وبخصوص فقد النحاس عرشه مع انتشار المصنوعات الخزفية الأخرى، يقول: إن هذا غير صحيح، فلايزال النحاس محافظًا على عرشه منذ ازدهار الحضارة العربية والإسلامية رغم طغيان أدوات الاستخدام اليومية كالألومنيوم والاستانلس، ولا تزال المنتجات النحاسية المزخرفة بالنقوش تجد من يرغب في اقتنائها.

وإن كان إقبال السياح عليها أصبح أكبر بكثير عن الفترة الماضية خاصة الذين يعشقون الشرق ويريدون أن يقتنوا شيئًا من سحره ويعودوا إلى بلادهم محمّلين بالصناعات الشعبية، كما أن الأثرياء المصريين والعرب لاتزال تربطهم بالصناعات النحاسية علاقة من نوع خاص، حيث يقومون بتزيين منازلهم بأشكال مختلفة وتصميمات على مستوى عال بالإضافة إلى قطع الديكور التي تضفي رونقًا على المكان.

عرب وأجانب

ويعتبر أن «خان الخليلي» من أكثر الأسواق في العالم العربي والإسلامي مبيعًا لمنتجات هذه الصناعة، حيث تشهد حضورًا من جانب السياح على مدار العام رغم العمليات الإرهابية التي كانت تحدث في هذه المنطقة، وتستهدف شارع خان الخليلي بالذات لاكتظاظه بالسياح، إلا أنهم لايزالوا يفضلون الحصول على منتجاتهم منه، كما يحرص العرب على شراء مستلزماتهم من الأواني النحاسية والديكورات رغم ارتفاع سعرها عن مثيلتها الصينية بكثير.

بقي أن الحاج كمال لايتذكر عدد القطع النحاسية التي قام بتنفيذها حتى الآن على مدار نصف قرن، حيث يعتقد أنها ربما وصلت إلى مليون قطعة، تميز معظمها بالألوان البارزة، بالإضافة إلى بعض التصميمات المستوحاة من القصص الشهيرة مثل «ألف ليلة وليلة وعمر الخيام ومعبد فيلة والقدس الشريف».