«هل لي ان أخدمك سيّدي؟»، يبتسم موظّف «سبينيس» في وجه الشاب الذي بدت عليه ملامح الارتباك، وهو يتجوّل بين الرفوف المرصوصة في السوبرماركت. «في واقع الأمر أبحث عن كريم للبشرة ».. من أي ماركة؟. .لا أدري... إنها تجربتي الأولى، نصحني الطبيب أن أستخدم كريماً لبشرتي. قال إنها دهنية واسعة المسام.. آه، ظننتك تقصد كريماً لصديقتك. تبحث اذاً عن قسم مستحضرات العناية الخاصة بالرجال؟. يشعر الشاب المصري الجنسية، بمزيد من الارتباك الذي يفاقم لديه شعوراً بالخجل يجعل وجهه عابقاً كباذنجانة.

للشاب بشرة سمراء، فهو من بني سويف في صعيد مصر واسمه حمّاد. مضى على وجوده في دبي سبعة أشهر، ويقول إنه اشتاق إلى طين الأرض. لكنّ مشكلته الآن ليست في الطين، بقدر ما هي في اختيار الكريم المناسب الذي سيقضي على مشكلة الحبوب التي بدأت تبرز في وجهه، حتى بات احتمالها لا يطاق. الآن، يتبدّى المشهد على النحو التالي: حمّاد، الآتي من طين الصعيد، متردد إزاء دهن وجهه بكريم فرنسي سائح في عبوّة مغرية، لأنّه شاب... ذكر. لو كنت في مصر، لما اهتممت بالأمر. لم أتخيّل نفسي يوماً أدهن بشرتي بالكريمات مثل النساء، ولكن طبيب العيادة قال إنه يجب عليّ حمايتها في ظل درجة حرارة تصل الى 43 درجة مئوية، هنا في دبي، وقت الظهيرة. ولكي يحمّسني، قال إن جميع الرجال هنا يهتمون ببشرتهم وأجسادهم... كما تفعل النساء. الظاهر أن الأمر عادي في هذه المدينة. قد يكون الأمر كذلك بالفعل. فدبي مدينة «تدلل الرجال أيضاً»، كما يقول روي الذي يزور المنتجع الصحّي (سبا) في أحد الفنادق الفخمة كل نهار جمعة: «أخضع لجلسة تدليك على الطريقة السويدية. يدهنون جسدي بخلاصة الكريمات التي تحتوي على الليمون والتفاح الأخضر والمستوردة من ألمانيا. دبي مدينة مرهقة، ويحتاج المرء منا الى تنشيط دورته الدموية والاسترخاء. لا أعتقد بأن هناك فرقاً بين رجل وامرأة في هذا المجال.

عمود فقري... تراوح تكلفة مثل هذه الجلسات بين 100 و 150 دولاراً أميركياً للجلسة الواحدة التي قد تدوم ساعة ونصفاً. وتختلف التسعيرة باختلاف «نجومية» الفندق الذي يضمّ «السبا» ، ونوعية المستحضرات المستخدمة ونوع جلسة التدليك. فالطريقة السويدية، التي تستخدم فيها الأملاح لدعك الجسد وتصمم أقنعة خاصة من مواد طبيعية للبشرة، تختلف عن الطريقة التايلاندية التي تعتمد على استخدام الحصى الساخنة. « لا أجد فرقاً بين أنثى وذكر، فلكلاهما عمود فقري يتعب من الجلوس منحنيا أمام جهاز الحاسوب لأكثر من ثمان ساعات في اليوم»، تقول ربى التي تعمل مصممة فنية في دار نشر في دبي.

يقول جودي الذي يعمل منذ سنتين مدلّكاً في قسم الرجال ضمن «سبا» إنه يستقبل أكثر من ستة زبائن في اليوم. كما يستقبل زميله سليم مثلهم، وأن غرف التدليك محجوزة طوال شهرين مقدّماً. «الرجال الانجليز يحبون الماساج كثيراً، كذلك الألمان ولكن أيضاً العرب وتحديداً الإماراتيين واللبنانيين، إضافة إلى الزوار الخليجيين. ويقلل جودي التايلاندي من أهمية الدعوات المنتقدة لهذا النمط من الحياة بوصفه رفاهية، بالقول: الشبان هنا يقضون معظم أوقاتهم طوال اليوم في غرف المكاتب وأروقة الاجتماعات وقاعات المحاضرات. خلال العطل، من الواجب إراحة الأجساد، كما أن مداخيلهم مرتفعة وتسمع لهم بدفع تكاليف الجلسات».

وعلى رغم الارتفاع الكبير الذي تشهده دبي، والإمارات، في أسعار العقارات وتسعير الإيجارات، بسبب الطلب الكبير، إلا أن دخول المقيمين فيها لا تزال تسمح لهم بالإنفاق على عادات الاستهلاك الخاصة بالعناية الشخصية.

فعلى رغم كل شيء، أصبحت مدينة دبي أرخص على مستوى المعيشة، مما كانت عليه في العام 2003 وفق ما ورد في المسح الأخير الصادر عن البنك السويسري المتحد. واحتلت مدينة دبي المرتبة 46 ضمن قائمة أكثر مدن العالم غلاءً. لكن المسح بيّن أن دبي تبقى أقل غلاء من المدن الكبرى مثل لندن ونيويورك وهونغ كونغ وسنغافورة.

وعلى رغم انتشار الأمكنة التي تتخصص بالعناية بالرجال، وتحديداً فئة الشبان، من صالونات تتمركز في الشوارع الرئيسة في الإمارة مثل شارع الضيافة وشارع الشيخ زايد، إضافة إلى المنتجعات الصحية في الفنادق، ويصل عددها التقريبي إلى أكثر من عشرة، فإن الكثير من المشاريع أعلن عنها رجال أعمال في الفترة الأخيرة تهدف إلى الاستثمار في هذا القطاع.

يخرج فضل من مبنى أبراج الإمارات الشاهق، متمشياً بحركة رشيقة. على كتفه منشفة بيضاء وفي يده «حقيبة» صغيرة. يتفقّد أصابعه مرة كل دقيقتين، ويتحسس بشرة وجهه كما تفعل نجمات الإعلان في دعايات الصابون. أحب أن أزور هذا المكان، يقول مشيراً إلى محل للعناية بأظافر أيدي الرجال وأرجلهم حمل اسم « 1847»: «استوحينا هذا الاسم من تاريخ العام الذي تمّ فيه اختراع أول شفرة حلاقة آمنة»، تقول نجين فتحي دسمال صاحبة الصالون.

لكنّ فضل، وكثراً غيره من الشباب الإماراتي الذين يهتمون بالعناية بمظهرهم عبر استهلاك كريمات البشرة وتقليم الأظافر وزيارة المنتجعات الصحية بشكل دوري، لا يلقون قبولاً واسعاً من المجتمع الإماراتي، وتحديداً المجتمع الذي لا تزال تحكمه التقاليد على رغم الانفتاح الكبير الذي تشهده دبي.

وأخيراً، قامت وسائل إعلام إماراتية محليّة بشنّ حملة ضد المحلات التي تبيع منتجات العناية الشخصية الخاصة بالرجال واتهمتها بتحريض الشبان على «التشبّه بالنساء». وهاجمت إحدى الحملات مستحضرات تلميع الوجه، وترطيب الشفاه، وإخفاء الهالات السود تحت العيون وغيرها بوصفها «ماكياج» للرجال يخدش الحياء العام ويتنافى مع قيم المجتمع العربي والإماراتي وعاداته.

لا أجد ضرراً في استخدام هذه المنتجات التي تقاوم آثار التعب، يقول ماثيو الانجليزي، بينما تستغرب إيمان «السماح بتداول تلك المنتجات في أسواقنا المحلية، فهي تعلن عن ظهور بدعة في مجتمعنا المحافظ ويجب محاربتها بشتى الطرق»!

يخرج حمّاد من المتجر بكيس فيه صابونة لمعالجة البشرة الدهنية: «أظن أن الصابونة تليق بالرجل أكثر مما يفعل الكريم»!