استطاع المخرج العراقي محمد الدراجي أن يلفت أنظار الجمهور العربي والعالمي الذي توافد على مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي؛ إلى واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية التي حدثت في السنوات القليلة الماضية في أرض العراق، فقد صوّر في فيلمه (ابن بابل) الذي يشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان بعض ملامح تلك الكارثة، المقابر الجماعية أيام النظام السابق، بطريقة تبعد عن سطحية التناول في السرد الروائي، وتبعد أيضاً عن الرتابة المملة في التسجيل الوثائقي لأحداث الإنسانية.

حول (ابن بابل) وفلسفته الفنية والإنسانية ومستقبل السينما العراقية؛ كان ل(الحواس الخمس) هذه الوقفة مع محمد الدراجي الذي أكد أن بلاد الرافدين خصب بالإبداع، وأن موضوع الفيلم لم يسلط عليه الضوء بالشكل الذي يشرح المأساة على حقيقتها، يقول: لقد تم إنتاج ما يقرب من 5000 فيلم عن الحرب العالمية الثانية التي استمرت 5 سنوات، تلك الحرب التي دمرت معظم البلاد الأوروبية، ولاتزال شركات الإنتاج تنتج بين الفينة والأخرى أفلاماً تتعلق بتلك الحرب المدمرة.

وقد مرّ العراق بأحداث وحروب وتدمير للإنسانية لا يقل فداحة، بل يزيد، على ما جرى في الحرب الثانية، فتدمير الإنسان العراقي وتدمير إرثه الثقافي والإنساني والقضاء على كل ما هو جميل لديه والذي سهر عليه وبناه طيلة 7 آلاف عام؛ لا أظن أنه عولج بصورة فنية أو سينمائية وافية، وإذا ما قارنا ذلك بالإنتاج الأوروبي والغربي لأفلام الحرب الثانية؛ فإنه يعتبر قطرة في بحر.

فقد استطاعت السينما الأوروبية والغربية التي تناولت حقبة تلك الحرب تثقيف الإنسان الأوروبي منذ طفولته وجعلته ينبذ الحرب والعنف والدمار ومن يتسبب بها، وهذا ما نحتاج إليه في العراق الجديد الذي- أُريد- لأجياله الحالية والمستقبلية أن تبقى غارقة في العنف والجهل والدماء والفقر.

الدراجي لم يتناول في (ابن بابل) الصورة التراجيدية التي يضاف إليها تفاصيل روائية لغرض جذب المشاهد، بل نقل صورة واقعية لما يجري في العراق، يقول: لم تكن الصورة تراجيدية بحتة، بل أضفت إلى السيناريو السخرية أو الكوميديا السوداء، أما من ناحية قصص الناس في العراق.

وما جرى عليهم من ظلم واضطهاد وإجرام لم تعرفه البشرية في تاريخها، فأوافق على مقولة صديقي يحيى العلاق بأن العراق أرض خصبة لصناعة السينما العراقية، فلكل إنسان عراقي عشرات القصص والحكايات يمكن أن تتحول إلى أفلام وإذا ما احتسبنا عدد سكان العراق فإننا بصدد القول إن لدينا 280 مليون فيلم سينمائي يمكن إنجازه في العراق إذا روى لنا كل عراقي 10 قصص فقط، وهي ثروة قومية وطنية في حال انتهى لدينا البترول، وهو بعيد عن الرسالة الفنية والإنسانية والأرباح المادية، ينقي الإنسان العراقي من ثقافة العنف المسيطرة.

على الرغم من أن السينما العراقية لا تمتلك أرشيفاً سينمائياً قوياً إلا أن (ابن بابل) استطاع برؤيته الإخراجية أن يصنع علاقة بينه وبين المشاهد، يقول الدراجي: لو تكلمنا بصورة صريحة؛ فإننا لا نملك في العراق تاريخاً سينمائياً قوياً، بل كانت هناك تجارب فردية لم يكتب لها الاستمرارية؛ كتجارب أفلام (سعيد أفندي) و(الجابي) و(الحارس) و(الأهوار)، التي كانت محاولات سينمائية جادة بدأت في الأربعينات وتم القضاء عليها في بداية الثمانينات ونهائياً بعد حصار عام 1990م.

وقد استعنت في (ابن بابل) بالخلفية الأكاديمية التي تعلمتها في الغرب من المدارس الواقعية الشاعرية، إضافة إلى الروح السومرية التي تسكنني وتثقف ذاتي من الداخل، فاستحالت بعض الرموز التي استخدمتها في الفيلم إلى كائنات موحية يشعر بها المشاهد للفيلم، مثل رمز الناي الذي ترجمته بصرياً في لقطات عدة من الفيلم، فاستطعت أن أصنع علاقة بيني وبين المشاهد وبين المشاهد والفيلم.

الدراجي أصيب بخيبة أمل عندما طلب تمويل فيلمه من قبل جهات ومؤسسات عراقية فجاءه الرد بالموافقة على تمويل جزئي شريطة تغيير بطلة الفيلم من كردية إلى عربية، يقول بكلمات يملؤها المرارة: لقد أردتُ أن أنتج فيلماً عراقياً خالصاً من نواحيه الإنتاجية، فتقدمت إلى مكتب رئيس الوزراء نوري المالكي للحصول على تمويل أو جزء منه.

فجاءني الرد من قبل أحد مستشاريه على الموافقة للتمويل الجزئي بشرط تغيير بطلة الفيلم من كردية إلى عربية لأسباب سياسية عام 2007م، وكذا الحال بالنسبة لحكومة إقليم كردستان التي أرادت إضافة تفاصيل تغير من وجهة النظر الإنسانية في الفيلم، فرفضت شروط الطرفين واتجهت لأبحث عن تمويل أجنبي وعربي، فجاء الدعم من مؤسسات ثقافية من بريطانيا وفرنسا وهولندا، ومن صديقي المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، والإعلامية نشوة الرويني وشركتها (بيراميديا)، وجهات أخرى.

وأعتقد أن عقدة الجهل المطبق بأهمية السينما والثقافة بشكل عام التي عانى ويعاني منها العراق بسبب وجود أصحاب قرار- في هذا المضمار- أدى وسيؤدي إلى بقاء الحالة السينمائية العراقية على ما هي عليه من تردي، ولجهل هؤلاء في مراكز اتخاذ القرار الثقافي والفني بأهمية السينما كفن رسالي للتغيير الاجتماعي والتاريخي، فإن السينما العراقية لن تنهض ما لم يحدث تغيير جذري.

الدراجي ينفي عن نفسه أن يكون قد أنجز (ابن بابل) لأهداف سياسية؛ مؤكداً أنه أراد أن ينقل الواقع العراقي كما هو ويقدم الضحايا كما هم دون زيف أو مجاملة لأحد يقول: إن إحدى رسائل الفيلم المهمة؛ هي أن الإنسان العراقي يجب أن يأخذ مكانته المعتادة في الخريطة الإنسانية، وإنه غالٍ ودماؤه وحياته ليست رخيصة.

وأطالب من خلال هذا اللقاء بوجود (مختبرات خء) لاكتشاف هويات أكثر من مليون ضحية، تم اكتشاف جثامينهم في المقابر الجماعية، وليس صحيحاً بأني أدنتُ صدام حسين ونظامه، ولم أدن الاحتلال الأميركي، فترى ذلك واضحاً في المزاوجة الصورية بين آثار الدمار في المدن العراقية على يد الأميركان، وآثار المقابر الجماعية التي تمت على يد صنيعتهم طيلة ثلاثة عقود.

توزيع وعرض (ابن بابل) في دور السينما الجماهيرية خارج نطاق المهرجانات، أمر خاضع للجهة المنتجة (روز فيلم) الفرنسية و(ART)، وأن الفيلم لن يجري عليه تعديلات تغير من مساره، بل بعض التعديلات المونتاجية البسيطة، على حسب تعبير الدراجي الذي أكد عدم تدخل أي جهة إنتاجية ممن شارك في الدعم والتمويل في تفاصيل الفيلم وفكرته وقصته، وأنه يعد لفيلم وثائقي سينفذه قريباً عنوانه المبدئي (البحث عن الماضي)، ويحكي عن قصة من داخل العراق أيضاً.

الدارجي في ختام حواره لم ينس أن يشيد بالمواقف الإيجابية لوزارة الداخلية العراقية ووزارة الدفاع اللتين ساعداه على إنجاز فيلمه في ظروف بالغة الصعوبة مما يمر به العراق حالياً.

وأشاد أيضاً بالدعم العربي الذي أراده حاضراً وبقوة في فيلم (ابن بابل) كرسالة تقول إن العراق باقٍ وسيبقى مع الامتداد العربي غير منفصل عنه على الرغم من كل المحاولات التي جرت وتجري لتقزيم العراق وإبعاده عن دوره العربي والإنساني، فالعراق؟ كما يقول الدراجي- هو بابل وسومر وجمجمة العرب وأرض الحضارة الإنسانية والإسلامية، ولن تستطيع قوة مهما عظمت أن تنال منه.

أبو ظبي - محمد الأنصاري