هوايته عجيبة ومتحفه بلا زوار.. مقتنياته تحمل آلاف الأسرار وتروي الكثير والكثير عن العصرين الإسلامي والحديث جمعها الدكتور محمد عبدالوهاب أستاذ إدارة الأعمال على مدى 40 عاما لعشقه جمع التحف والعملات حتى استطاع أن يكوّن متحفا خاصا؛ فحوّل منزله إلى مزار سياحي وضع لمساته وديكوراته ببراعة وجعل المقتنيات تحاكي المكان.. التقيناه داخل متحفه الذي يضم عشرات الأدوات الحربية والملابس والعملات والحيوانات والتليفونات بعد أن جمعها من إفريقيا وآسيا وأميركا، وقطع آلاف الأميال للحصول على تلك المقتنيات..

عن فكرة تجميع التحف وكيف استطاع تنمية الهواية، وهل من الممكن التفريط في أي من تلك القطع الثمينة، وهل هناك مشروعات مستقبلية على ضوء رابطة تبادل التحف والمقتنيات مع الهواة بالخارج؟ يجيب عن تساؤلاتنا هاوي جمع المقتنيات في السطور التالية... يقول عبدالوهاب إنه من مواليد محافظة الجيزة في مصر ، تخرج في معهد فني تجاري، وبعدها التحق بمعهد الفنون المسرحية، ثم درس في المركز الثقافي البريطاني، وعمل مساعد مخرج فترة بعد التخرج على يد المخرجيّن الراحلين نور الدمرداش وأشرف فهمي، كما أدى بعض الأدوار ومنها دور في فيلم «فخ الجواسيس». ويضيف: اتجهت بعد ذلك إلى استكمال دراستي في أميركا حتى حصلت على الدكتوراه في إدارة الأعمال، ثم حصلت على الجنسية الأميركية، وتدرجت في المناصب حتى أصبحت رئيس تحرير مجلة «أوسكار» الأميركية، بالإضافة إلى عملي كمستشار إعلامي بالأمم المتحدة.

بداية الرحلة... ويشير إلى أن موهبته في جمع التحف ظهرت معه منذ طفولته حيث كان يقوم بتجميع مصروفه اليومي ويشتري به إحدى العملات النادرة ليراها أصدقاؤه وزملاؤه في المدرسة، فيتعجب والده عندما يقول له إنها تحتوي على تراث حتى استطاع على سنوات طويلة جمع آلاف العملات المعدنية، وعمل أيضًا على تنمية هوايته بجمع المقتنيات القديمة التي لم تقتصر على دولة معينة أو على ديانة محددة؛ لكنها شملت جميع المقتنيات في العالم كله. كما لم تقتصر الهواية على جمع العملات أو التحف، لكنها انتقلت أيضًا إلى جمع الحيوانات النادرة المحنطة التي يصعب جمعها في المتاحف العادية، ولا توجد في أي مكان آخر، حيث كان عشقه للصيد والسفاري عاملاً مهمًا في احتفاظه بهذا الكم الهائل من تلك الحيوانات على جدران وحوائط متحفه. وعن المدة التي استغرقها المتحف للإنشاء يقول إنه ظل على مدى 40 عامًا في البحث بجميع الأماكن، حيث زار قارات آسيا وأميركا وإفريقيا وأوروبا ومن شتى أنحاء الدول العربية مثل عمان وسوريا ومصر والإمارات والبحرين وقطر والكويت والسعودية، وقد واجه صعوبات ومتاعب شتى في جمعها.. موضحًا أن أكثر شيء كان يجد فيه صعوبة الحصول على الأشياء الثمينة من المزادات حيث يضطر إلى شراء الشيء بأضعاف ثمنه.

عنوان المكان... تجولنا مع د. محمد عبدالوهاب بمرافقة الكاميرا التي رصدت مختلف المقتنيات لحظة بلحظة، وسجلنا حكايته مع كل واحدة، وكانت السلحفاة المحنطة هي عنوان المكان حيث وجدناها في المواجهة فقال: «إن تلك السلحفاة نتيجة بحث مضن لـ 60 مركبًا للصيد كانوا يبحثون عنها في المياه لمدة 6 شهور. حيث قمت بشرائها وتحنيطها لكونها من الأنواع النادرة التي اندثرت، ولم يعد لها وجود على الإطلاق، ورغم أنها كلفتني أموالاً طائلة؛ إلا أنني كنت سعيدا بالحصول عليها في النهاية».

صور رسائل نبوية

واستطاع عبدالوهاب الحصول على 4 صور من الرسائل التي أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة، والمقوقس عظيم مصر، وكسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، بالإضافة للخرائط والأوراق التي تحكي التاريخ الإسلامي.

كذلك أدوات الحرب، والتي حصل عليها بصعوبة شديدة من بعض الدول الإسلامية في آسيا وإفريقيا؛ فقد حصل على سيف صحابي جليل من أثيوبيا، وخوذة إسلامية يعود تاريخها إلى القرن الخامس الهجري حيث حصل عليها من حفيد أحد السلاطين بالشام الذي أعطاها له حينما علم أنه يقوم بجمع المقتنيات الإسلامية التي تحكي تاريخ الإسلام على مر العصور.

أحجار الكعبة

ومن الأشياء التي لا تقدر بثمن في متحف عبدالوهاب فص خاتم نادر من أرضية أحجار الكعبة، والتي كانت من أحجار عرش بلقيس «ملكة سبأ»، والتي كانت مدفونة أسفل الكعبة منذ العام 1362 عندما عثر عليها عبدالله بن الزبير أثناء قيامه بترميم الكعبة المشرفة العام 64 هـ، بعد أن تأثرت جدرانها من السيول.

ويتميز المتحف أيضًا بأبوابه المطعمة بالفضة، ويأخذ أشكالاً بيضاوية ويعود تاريخ صناعتها إلى 300 عام، ومع ذلك تعمل جميع الأبواب بتقنيات تكنولوجية عالية، وما يزيدها جمالاً أنها منحوتة على أشكال مختلفة منها الطاووس على إحدى الأبواب، والأعمدة الفرعونية والإغريقية والإسلامية على باقي الأبواب، وهناك باب آخر مطعم بمسامير لا تصنع إلا في تركيا، كما يحتوي أحد الأبواب على حيوانات بحرية محنطة.

مصحف عثماني

وفيما يتعلق بالعملات النادرة التي استطاع عبدالوهاب جمعها خلال رحلته التي تمتد لأكثر من 20 عاما؛ يقول إنه منذ فترة الشباب وهو مغرم بالسفر إلى الخارج، وحضور المزادات، وزيارة المتاحف، موضحا أن من أهم المتاحف التي زارها أكثر من 50 مرة المتحف التركي.

حيث يجد فيه أشكالاً لعملات لم يرها من ذي قبل، ويعتقد أن أفضل العملات التي يقتنيها في متحفه الريال النمساوي الذي كان يستخدم في اليمن حتى العام 1710م، بالإضافة إلى عملة مصرية يعود تاريخها إلى العام 1293 هـ في عهد عباس حلمي الأول، وعملات فرنسية أيضاً، بالإضافة إلى أنواع كثيرة جدًا من العملات التي تعود إلى عصور قديمة وحديثة.

كما يحتوي المتحف على كتب تاريخية ومصحف عثماني مطبوع العام 1319، وكتاب نادر للعلامة محمد بن أحمد بن إلياس الحنفي، وتم طباعته بالمطبعة الأميرية ببولاق، وهو يحمل عنوان «بدائع الزهور في وقائع الدهور».

غزلان نادرة

بجوار السلحفاة رصدنا أنواعًا من الغزلان النادرة أيضًا؛ بالإضافة إلى بيض النعام مختلف الأشكال والألوان، وأنياب الأفيال، ويقول عنها هاوي جمع التحف إنه استطاع صيّدها بنفسه، واصطحبها إلى خبراء في التحنيط في أميركا لتحنيطها ليحضرها إلى متحفه بالقاهرة.

ومن الأشياء التي تلفت الأنظار وتشد الانتباه النخبة الموجودة في السقف المصنوعة من مخالب الأسود وقرون الغزلان وبيض النعام بعد أن حصل عليها من بعض القبائل البدائية التي تعيش في الجبال ولا تعرف أي شيء عن الحياة الحديثة.

كما يفترش عبدالوهاب بعض أجزاء أرضيته في متحفه الخاص بجلود الغزلان والحمار الوحشي والنمور والأسود ويضعها بطريقة معينة يشعر معها من يدخل إلى المكان إلى أنه داخل غابة تحتوي على فرائس وأسود.

ويعتبر هاوي التحف أن أجمل المقتنيات التي يضعها في متحفه خنجر وسكينة وشوكة خاصة بإرث إحدى العائلات الثرية في أوروبا ويعود تاريخها إلى العام 1135، بجانب مجموعة من المسدسات والبنادق التي يعود تاريخها لأكثر من 100 عام.

نوادر وطرائف

والزائر لمتحف عبدالوهاب تستوقفه مجموعة من التليفونات القديمة التي تعود إلى أكثر من 200 عام؛ بالإضافة إلى مجموعة من الكلبشات التي تعود إلى عصر محمد علي، ومجموعة من السبائك الفضية والأحجار الكريمة، وأعواد بخور مسك، ولعل أندرها بعض الأنواع التي توضع على موائد الملوك، ويصل سعر الكيلو الواحد منها 40 ألف جنيه.

رابطة

عن العروض التي قدمت له لشراء بعض المقتنيات يقول: لم أفكر مطلقًا في بيع شيء من تلك المقتنيات حتى لو عرض علي فيها أموال لا حدود لها؛ لأن هناك ثمة علاقة نشأت بيني وتلك التحف، ولا يمكن أن أبيعها حتى لو كنت أملك منها أكثر من قطعة».. مؤكدا أن أي قطعة يحتوي عليها متحفه أكثر اتقانا ومهارة في الصنع من الموجودة في أي مكان آخر.