يسرى الجندي واحد من المؤلفين المعروف عنهم كتاباتهم الجميلة التي لاتزال يرددها المشاهد، بدءا من (علي الزيبق) و(سعد اليتيم) و(جمهورية زفتى)، مرورا ب(هدى شعراوي) و(التوأم)، و(من أطلق الرصاص على هند علام) وانتهاء بمسلسل (ناصر)، الذي تناول سيرة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، إضافة إلى ما يجهز له الجندي حالياً من ملحمة درامية تتناول سيرة الفلاح المصري عبر العصور.

والجندي بتاريخه الطويل في الكتابة له رؤية نقدية ثاقبة تجاه ما يدور على الساحة الفنية، وبشكل خاص الدراما والمسرح. (الحواس الخمس) التقاه عبر السطور التالية، وناقشنا معه قضايا فنية متعددة؛ فإلى التفاصيل. * شهد هذا العام غياباً تاما لك عن المشاركة بأعمال درامية تتنافس مع نظيراتها على المائدة الرمضانية، لماذا؟ ـ أرى أن هذا أفضل قرار اتخذته هذا العام بألا أشارك في أي عمل درامي، وذلك يعود لسببين؛ الأول أن معظم الأعمال التي تعرض في رمضان لم يستطع المشاهد متابعتها جيدا بسبب التخمة التي تعاني منها القنوات، مما يؤدي إلى سقوط العمل من حسابات المشاهد حتى وإن كان جيدا، والثاني لأنني أعكف على كتابة مسلسل «همس الجذور» الذي بدأت فكرته في التبلور منذ 9 سنوات قضيتها في جمع المعلومات التاريخية، وأتوقع أن يكون هذا المسلسل عودة لمسلسلات الأجزاء.

واتفقت مع المخرج إسماعيل عبدالحافظ بمجرد الانتهاء من الجزء الأول سوف نستعد للتصوير مباشرة، وتدور أحداثه حول حياة الفلاح في مصر وعلاقته بالأرض حتى الآن، وجميع المراحل التي مر بها منذ العصر العثماني، مرروا بعصر محمد علي، والتغيرات التي حدثت فيه، وذلك من خلال أسرتين يتعاقب جيلاها، ويستمر كل جيل منهما في إبراز كل مرحلة تغير تمر بها مصر في حياة الفلاح من أجير في العصر الإقطاعي، ثم إلى مالك، ثم طبقة ترتفع، وأخرى تظل كما هي.

الفن من أجل الفن

بعد النجاح الكبير الذي حققه مسلسل «ناصر» ماذا عن جزئه الثاني؟

كنت أتمنى استكمال «ناصر»، لكنني لم أوفق، وذلك يعود لأسباب مادية بحتة، لأن مسلسلات السير الذاتية تفوق مصاريف الأعمال الدرامية الأخرى، وهذا ربما ما لم يستطع تقديمه المنتج على الأقل حالياً، على الرغم من أن الجزء الثاني كنت سوف أظهر فيه الكثير من الحقائق التاريخية، خصوصاً حرب الاستنزاف وما تبقى من الحقبة التاريخية الخاصة بعبدالناصر.

انتشرت في الآونة الأخيرة دراما السير الذاتية، بل أصبحنا نرى إنتاج الكثير منها في العام الواحد، ما رأيك؟

أرى أنها مطلوبة، لكن لابد ألا نعمل عليها من منطلق الربح والعائد المادي من ورائها، وإلا سوف تحقق فشلاً كبيرًا كما حدث في السندريللا والعندليب، ولكن إذا تعاملنا بمنطق الفن من أجل الفن وطرحها بمصداقية عالية وأمانة تاريخية دون أن تتدخل أهواء الكاتب أثناء كتابته ستجد رد الفعل الحقيقي والناجح من قبل الجمهور مثلما حدث مع الطارق وعمر بن العزيز والحلواني وهدى شعراوي وناصر وأسمهان، فالمنطق التجاري قد يؤدي بها إلى سير ذاتية سيئة تسيء إلى تاريخنا، خصوصاً أنها تتحدث عن حقب تاريخية بعينها لا نستطيع معها تزييف التاريخ.

لماذا تقتصر السير الذاتية على الشخصيات السياسية فقط؟

هذا غير حقيقي بل ألقت الدراما الذاتية الضوء على شخصيات عدة بخلاف السياسية مثل علماء الدين كالشيخ الشعراوي، والفنية كأسمهان والسندريللا، والأدبية مثل هدى شعراوي، بخلاف السياسية منها مثل الناصر والملك فاروق، ولكن اتفق معك في أن الطاغي منها الشخصيات السياسية والفنية، في حين تجد القليل من علماء العلم الطبيعي والدين والمؤرخين، وهذا نابع من تصور البعض أن أكثر الناس إثارة للجدل هم السياسيين والفنانين، ويكون اختيار العمل مبنيا على هذا الجدل الذي يرفع من أسهم العمل بصرف النظر عما يقدمه من قيمة فنية جديرة بالاحترام.

ما الشخصية التي يتمنى يسري الجندي تقديمها دراميا؟

في البداية أحب أن أشير إلى أن تقديم أي عمل متعلق بالسيرة الذاتية لأي شخصية يجهد مؤلف العمل بشكل كبير، وقد كانت لي تجارب في هذا الصدد فمسلسل «ناصر» أخذ عامين بحثا في الكتب التاريخية وكذلك هدى شعراوي؛ ولذلك أتأنى كثيرًا عندما أشرع في تقديم مثل هذه النوعية من الأعمال الدرامية.

أما عن الشخصية التي أتمنى أن أقدمها فلم أجد سوى تقديم شخصية أحمد عرابي لأنها تتمتع بثراء في الأحداث والتقلبات الزمنية السياسية في العصر الحديث، وأيضا لكي ننصف هذا الزعيم من الظلم الواقع عليه من قبل النظام الحاكم آنذاك.

فساد المواهب

الدراما العربية عامة والمصرية بصفة خاصة تمر بتغيرات عدة ومنها دخول الكتَّاب الجدد لينافسوا الجيل القديم من الكتَّاب، كيف ترى حال الدراما الآن؟

للأسف كانت هناك نواة جيدة من خلال ظهور بعض المواهب الشابة من المؤلفين، ولكن جاءت طلبات المنتجين والإعلان وتحكم الفنان في أن يجسد شخصية معينة فأفسدت تلك النواة، لأن المؤلف الشاب بدأ يرى متطلبات السوق، ويكتب بناء عليها مما أفقده استقلاليته وأصبح تابعا من أجل الظهور، وأصبح النص الجيد في عداد الموتى، فنحن لدينا مواهب جيدة ولكن آليات الإنتاج تفسد المواهب.

لعبة الحياة

بعض النقاد والفنانين يحذرون من تراجع الدراما المصرية أمام نظيرتها السورية، ما تعليقك؟

كلما ضعفت الدراما المصرية استطاع الآخرون أن يستغل ضعفها، وعند ضعف الوجود المصري أصبح الآخرون يتقوون بذلك الضعف ويستغلونه، وهذه لعبة الحياة بلا شك، والدراما السورية استطاعت أن تنجح من خلال الإنتاج الجيد وأجور الفنانين غير المغالاة فيها في أن تفرض نفسها على الدراما العربية.

من مِن الممثلين الذين تراهم يتمتعون بطاقات متجددة وكامنة بداخلهم ويحب التعامل معهم؟

نحن لدينا الكثير من المواهب من جيل الشباب مثل خالد الصاوي وأحمد صفوت وأحمد فلوكس، ولدينا أيضا ممثلون عرب جيدون مثل أيمن زيدان، بخلاف الفنانين المصريين العمالقة؛ فلايزال يحيى الفخراني ومحمود ياسين ومحمود عبدالعزيز يحافظون على بريقهم حتى الآن، أما الفنانات فهناك إلهام شاهين وسلوى خطاب وليلى علوي الدؤوبة جدًا في عملها، وذلك يرجع إلى تجربتي معها في مسلسل التوأم.

أبو الفنون

أين المسرح من مؤلفات يسري الجندي؟

أنا «مسرحجي» قبل أي شيء؛ لأن المسرح هو أبو الفنون؛ ولأنه جمع بين الفنون جميعها من فن تشكيلي لموسيقي إلى تمثيل، وهو في الوقت نفسه لغة الاقتصاد لأن المسرحية تنتهي في ساعتين عكس المسلسل 30 حلقة.

شخصية تتمنى تقديمها مسرحياً؟

«أبو حيان التوحيدي» فهو شخصية عربية صوفية، ولكنه في الوقت نفسه نموذج للمثقف المقهور المطحون، ونموذج لما يحدث للمثقف العربي في عصر العولمة.