يجمع العطر روح الطبيعة في تركيبة تعبر عن إبداع صاحبه، ليبقى محفورا في الكثير من الأحيان في ذاكرة من يشم العطر، لأنه مرتبط بالكثير من الأحداث التي مرت في حياته، ومن هنا كان لجيرلان، صانع عطور، قصة مع كل عطر جديد يطرحه، يقول عن عطره (شاليمار) بأنه «قطرة أبدية، ووليد خيال استمد وحيه من قصة الإمبراطور شاه جان وزوجته ممتاز محل في شمال الهند، منذ أربعة قرون».

وهذا ما جعله يضع تركيبة العطر من شذى الأزهار مع درجات طاغية من الخشب والكهرمان، يقول: أردت أن أحتفل بالأناقة والإثارة، والرهافة، ليولد أثرا غامضا آسرا يخطف الحواس.

بينما كان عطر (ناهيما) منسجما مع رؤية الممثلة الفرنسية كاترين دونوف كمصدر إلهام في فيلم (بنجامن) تحديدا، كما أشار جان بول جيرلان جيرلان، عندما ظهرت في قفص ذهبي مزين بالورود المبعثرة، وهي ترتدي فستانا من الحرير الأبيض، وقد انتشر شعرها من حولها وكأنه هالة ذهبية؛ فالرائحة، حسب وصفه، أشبه بالصوت، ومن هنا بحثت عن فكرة المرأة المنمقة، البارعة في لعبة الجاذبية التي تقوم على التنازل من دون أن تبدو وكأنها تستسلم تماما، فالعطر كما قال رداء خفي، يشيع هالة من النور يسمح للمرأة بالدخول إلى العالم السحري من دون أن تمزق ذلك الوشاح الذي يلفها.

ولعطر (إيديل) بالنسبة لجيرلان حلم حب يبدو أنه لن ينتهي، ولهذا جاءت قطراته خفيفة وهوائية، ذات طابع أبدي للحظات عابرة. تم تركيبه من باقة من الأزهار، التي بحث عنها من بين الأزهار الأكثر ندرة من غيرها. عن هذا الابتكار أوضح صانع العطر تييري واسر سلف جان بول جيرلان، الذي يتمتع بطاقة داخلية، وموهبة نادرة بدأت القصة مع وردة ولدت من مزيج الورود البلغارية، مع درجات طاغية من توت العليق الأحمر، وثمرة اللتثية.

وأضيف إلى هذا المزيج وردة بليسيس روبنسون القديمة، مع درجات مفعمة برائحة الفاكهة، التي خلطت بدورها مع تناغم عائلة شيبر، التي تعتبر رمزا لدار غيرلاند، وتتألف من البتشول والمسك الأبيض، وتم اختياره لما يمتلكه من دفء، وأخيرا تأتي الباقة التي تتم الورود إلى حد الكمال، وتتمثل في زنبق الوادي، والليلك، والفوانيا، والفريزية، والياسمين.

كل هذا المزيج الذي يأتي، حسب مقادير دقيقة وحساسة، لتشكل في المحصلة انسجاما، يتم من خلاله التعبير عن فكرة ما تقال بطريقة مختلفة لا تستمد عبارتها من الكلمات، بل من الرائحة، وهو ما يجعلها أكثر رسوخا في الذاكرة.

جاء هذا العطر مجسدا للقاء واسر بجان بول جيرلان، الذي كان أشبه بلقاء مع الأب الروحي ليقدر أن يسير مع الهالة التي أحاطت بأربعة أجيال من العطارين، مع إضفاء توقيعه الخاص، وكل هذا يجسد حبه المبكر للعطور وجمع زجاجتها، وكأنه يتوجه بشكل لا تلقائي إلى علم النبات، تمكن من دخول أكاديمية جيفودان، ومن ثم انتقل إلى باريس حيث عين عطارا، ومن ثم إلى نيويورك حيث مر هناك بمراحل تدريبية على يد أساتذة علموه طرق وفن صناعة العطور.

وعن الأجواء التي عاشها واسر عند ابتكاره لعطر (إيديل) أوضح قائلا: كنت في حالة من الفرح والحب الكبير، لأني أعمل في دار جيرلان، وأردت أن أعبر للعالم كله عن سعادتي، ومعنوياتي العالية، وحبي، ومن هنا شعرت أن الروائح شكلت كلماتي، الروائح التي تشكلت من الأزهار التي لدي، وقد استخدمت الكثير منها، ليصبح العطر مثل باقة الزهور مع لمسة خفيفة غنية، اسر فيها فكرة القصيدة الريفية، ليس كعلاقة غرامية بل كعلاقة رومانسية منبعثة من القلب.

وعندما سمع واسر عن تلك الأزهار الموجودة في وادي بلغاري حيث تجمع البتلات وتقطر، شعر أنه اكتشف، حسب وصفه ذلك الرنين الذي تتناقله الأزهار، ويتردد صداه في الباقة، ومن هنا تأتي صعوبة إقامة تناغم بين الأزهار التي يكون بعضها هادئا، وبعضها الآخر حادا، بعضها حرا، وبعضها الآخر حلوا كالعسل، ففي العطر كما في الحب يعتمد كل شيء على تحقيق التوازن الصحيح.

وعن تحقيقه هذا التوازن قال تييري واسر: من أجل بلوغ التوازن المطلق، وتوليد أحاسيس لا سابق لها تبقى محفورة في الذاكرة، من خلال طاقة الرائحة، يجب قياس كل قطرة إلى حين الحصول على عطر لا يمكن أن ينسى، وهكذا يتحقق العبير عند هذا الحد من الفن والصبر، والجهد، والموهبة، وإلهام لحظة.

أبوظبي- عبير يونس