لم تستطع دراما البيئة الشامية التي قدمت للمرة الأولى في مسلسل (أيام شامية) مع المخرج بسام الملا أن تتجاوز الموضوعات التي نذرت نفسها لأجلها، وظلت فكرة الحارة المغلقة هي الهم والاهتمام الذي طال تلك الأعمال.

وتراوح أعمال البيئة الشامية في مكان وزمان ضيقين للغاية، وفي آفاق درامية غير قادرة على الخروج من إطار الأبعاد الجغرافية تلك التي وضعت نفسها فيها، وفي الوقت الذي كانت دمشق من أكثر العواصم العربية غليانا في مطلع القرن العشرين سياسيا واجتماعيا يقدم (باب الحارة) دمشق خارج الزمان والمكان، وثمة اجترار فقط لحكايات نجح الكاتب والمخرج في جعلها محبوكة دراميا. وتدور في فلك الحكاية الشعبية المتخيلة، الأمر الذي لا يحقق مقارنة منطقية او معقولة بين تلك السلسلة الشامية مقارنة مع (ليالي الحلمية) او (بوابة الحلواني) او (المصراوية) التي حققت رصدا شاملا للحارة المصرية بكل مظاهرها، وأصبح هناك عالم فسيح للحكاية الشعبية التي تؤلف من وحي خيال مؤلف لم يحقق انجازات تذكر قبل ان يدخل في عالم (باب الحارة).

وعلى الرغم من مشكلات هذا النوع من الأعمال الدرامية، إلا أن المحطات ظلت ترى فيها المجال الذي يجذب المشاهد إليها، والحضن الدافئ لإعلانات تصب في جيوب أصحاب المحطات، لذا ظل الاعتماد عليها من أجل رغبة ترويجية بالدرجة الأولى.واجتهدت الكثير من الآراء والتعليقات على الشبكة العنكبوتية في رصد مصور لدمشق في بداية القرن العشرين بمنظار (باب الحارة) والبعد القومي وتحرر المرأة ومشاركتها الفاعلة في العملية السياسية والإنسانية على حد سواء، بما في ذلك مظاهرات تطالب بالحرية والاستقلال وحضور شخصيات فكرية وأدبية وثقافية، شكلت معينا ثريا لمرحلة تاريخية حافلة بالجديد والعمل والشعارات التي أصبحت فيما بعد وقودا لسلسلة مراحل متغيرة في تاريخ سوريا تحت غطاء الحريات.

في الموسم الرمضاني 2007 اعتقد بعض المخرجين أنهم قادرون على كسر احتكار بسام الملا لهذا الشكل الدرامي؛ فقرروا الخوض في تجارب درامية مشابهة لجهة الشكل او المضمون، فظهرت ثلاثة مسلسلات جديدة إلى جانب مسلسل (باب الحارة) في جزئه الثاني هي مسلسلات (جرن الشاويش) للمخرج هشام شربتجي، و(حسيبة) للمخرج عزمي مصطفى، و(الحصرم الشامي) للمخرج سيف الدين سبيعي، دون أن يستطيع أي منها أن يصيب ولو عشرين في المئة من شهرة مسلسل (باب الحارة) الذي بلغ الجماهيرية المطلقة في الموسم قبل الماضي، وفي الجزء الثاني منه تحديدا، حينما تحول بعيد عرضه على محطة (ام بي سي) الى قضية رأي عام، وصارت اللهجة الشامية هي الرائجة، بل المنافسة للهجة المصرية التي تربت عليها أجيال كثيرة من خلال الأفلام والمسلسلات المصرية التي لم يكن غيرها موجودا.

والمتتبع يجد أن (باب الحارة) ربما حقق جماهيرية لم يحققها مسلسل درامي في تاريخ الدراما التلفزيونية العربية، إلا أن في هذه المسلسلات الثلاثة، المشار إليها سالفاً، ما جاءت ليهشم ما بات أشبه بتقليد درامي في أعمال البيئة الشامية، فجاء (جرن الشاويش) ليحقق حضور أسماء تمثيلية جديدة في هذه الأعمال، ويأتي بنجوم على هذا الشكل من الدراما مختلفين تماما للأنماط التي قدمها بسام الملا.

ومن بين كل المسلسلات التي قدمت سيكون ل(أهل الراية) الحظ الأكبر في النجاح، لا سيما أن (أهل الراية) الذي ساءه جهد إخراجي متواضع قدمه المخرج المخضرم علاء الدين كوكش، جاء بمنطق جديد موثق بالتاريخ لمرحلة مهمة من تاريخ سوريا، هي نهاية العثمانيين، وبداية تدخل الفرنسيين، ثم جاء مسلسل (حسيبة) بمضمون مخالف لما قدمته دراما البيئة الشامية وتحديدا سطوة المرأة وفاعليتها في الوسط المحافظ، بينما تقدم مسلسل (الحصرم الشامي) ليهشم صورة مسلسلات البيئة بأكملها ويقدم صورة مغايرة لتلك الفترة الزمنية، وبشكل فني مختلف تماماً، ولكن الخلطة التي جعلت (باب الحارة) يقدم الحضور المهم هو الحكاية المتخيلة، والتي راهن المخرج بسام الملا عليها ليبني مجده ومجد الدراما السورية، وربما لو قيض للتاريخ ان يقسمها لما توقف طويلا عندها.

دبي- جمال آدم