من يعرف السينما الفلسطينية بالتأكيد يعرف بشار إبراهيم، ذلك الناقد الراهب في محراب السينما منذ أكثر من ربع قرن في سوريا، قدم العديد من الدراسات السينمائية التي أنصب غالبيتها على السينما الفلسطينية، يتابع بشغف الأفلام المحلية والعالمية، ويرصد بعدسة الراصد هموم الحركة السينمائية في الوطن العربي، يصنف بين النخبة المثقفة البارزة التي تحمل على كاهلها تجارب مختلفة، عاش في بلدان عدة، وجعله قربه وحضوره العديد من المهرجانات واللقاءات السينمائية ناقدا سينمائيا يحسب له حساب.

بشار إبراهيم في حواره مع «الحواس الخمس» لم يكتف بفتح النار على عيوب النقد السينمائي العربي، بل لام - وبشدة - المهرجانات السينمائية في الوطن العربي والتي لا تمتلك هوية واضحة، ولا سياسة مفهومة، ولا إستراتيجية تراكمية، والحديث حول هذه الإشكالية يحتاج إلى مساحة أكبر لتوضيح الحقيقة في هذا الوقت، الذي يبدأ الجميع فيه لاستقبال أكثر من ستة مهرجانات متوالية خلال شهرين، وحتى نقترب من هذا المبدع في جنس النقد السينمائي للتعرف عن آرائه ومواقفه من بعض الهموم السينمائية العربية أجرينا معه الحوار التالي:كيف ترى النقد السينمائي العربي في المرحلة الحالية، وهل يواكب ما يحدث سينمائيا من حيث نوعية الأفلام والجمهور الحضور وصالات العرض، وتأثيره وتأثره بعناصر ومفردات صناعة الفن السابع عربيا وعالميا؟

يتضمن السؤال إشارة نبيهة إلى واحدة من أعمق مآسي ما يمكن تسميته «النقد السينمائي العربي»، فبالسؤال عن مواكبة النقد لما يحدث، وارتباطه بنوعية الأفلام والجمهور والصالات، يبدو أن المقصود بالنقد في العالم العربي تلك الكتابات التي تلاحق الأفلام، وتبدي رأياً قاطعاً فيها: جيدة أو سيئة، قوية أو ضعيفة، جادة أو تجارية..

في حين من الطبيعي القول إن النقد السينمائي هو أمر أوسع وأشمل من أن نحصره في هذه الدائرة الضيقة اللاهثة، التي تقترب وتغوص غالباً في مجال كتابة المتابعات الصحافية، والأخبار المثيرة، أو الآراء السريعة، اتكاء على الذائقة الفردية للكاتب، إن لم نقل مزاجيته، ومواقفه، وعلاقاته.

حقيقة مؤسفة أن غالبية الكتابات التي تنتسب إلى دائرة النقد السينمائي العربي، راهناً، لا تزال تدور في فلك ما يمكن تسميته بأحسن أحواله بعنوان «النقد الرأي»، وما هي في الحقيقة إلا تغطيات تأخذ سمة «الإخبار»، أو تقارير «الإعلام»، وهي التي لا تفيد كثيراً في خلع رداء الصحافي، والانتساب إلى عوالم النقد.

ما الفرق؟، أذكر هنا، مثلاً، ما ورد بصدد أن ناقداً مثل جان متري كان يشاهد الفيلم 9 مرات، أحياناً، قبل أن يكتب عنه، بينما الصحافي مُطالب أن يكتب عن الفيلم بعد مشاهدة واحدة، أو حتى نصف مشاهدة، بل وأن يكتب عن الأفلام المشاركة في هذا المهرجان، أو ذاك، وأن يكتب عن حفل الافتتاح، وحفل الاختتام.. بما لخصته تلك المهرجانات، وكفى الله الكتاب شرّ النقدّ.

على الجانب الآخر، وبعيداً عن كل هذا، لا بد من الانتباه إلى أن ثمة في العالم العربي محاولات، وإن محدودة، للمساهمة في النقد السينمائي الحقيقي، أو فيما يمكن تسميته «النقد المعرفة»، «النقد الفلسفة»، «النقد النظرية»، وذلك عبر محاولة دراسة تاريخ الفيلم، الصورة وفلسفتها ودلالالتها، نظرية المونتاج، نظرية الفيلم التسجيلي، نظرية السرد، مفهوم البناء الفني، التعبير بالضوء والصورة، المرجعيات النظرية للفيلم السينمائي.

وعلى الرغم من أن النقد السينمائي العربي، لم يتمكن حتى الآن من إنتاج أي نظرية في مجال النقد السينمائي، ولا المساهمة فيما هو موجود من نظريات سينمائية، وعلى الرغم من أن كثيراً مما نقع عليه، إنما هو إعادة في القول على مترجمات لما اقترحه أمثال: ميخائيل روم، إيزنشتين، بازان، ميتز، ميتري، إلا أن السياقات تحتم أن يصل المساهمون الحقيقيون في النقد السينمائي العربي، يوماً، إلى تلك اللحظة.

كيف يتعامل النقد السينمائي عربيا مع الجمهور وكيف يتعاطى الجمهور النقد السينمائي؟

يرتبط نشوء النقد السينمائي وقيامه وتطوره، فضلاً عن الحراك السينمائي، كذلك بعوامل التفكير والإرسال والتلقي.. وإذا كان العالم العربي عموماً يعاني أصلاً من تدنٍ فظيع في مستويات القراءة، فمن الطبيعي أن ينعكس هذا محدودية في التفكير، وقصوراً في عمليات الإرسال والتلقي، وهذا ما يجعل الجسور شبه مقطوعة، ليس بين النقد والجمهور العربي فقط، بل أيضاً بين النقد والسينمائيين العرب، الذين في غالبيتهم لا يقرأون.

الجمهور العربي، في غالبيته الأعم، يهتم بأخبار الفنانين، وأسرارهم الشخصية، وربما بفضائحهم.. أكثر مما يتهم باللغة السينمائية عند هذا المخرج، أو البناء المونتاجي عند ذاك المخرج، أو علاقة هذا الفيلم أو ذاك بالحداثة، وما بعدها.

والسينمائيون العرب، في غالبيتهم الأعم، لا يهتمون بالقراءة، بقدر ما يهتمون بمتابعة ما يُنشر عنهم، من أخبار، وحوارات، وصور متأنقة.. وربما بإشاعات يقومون هم أنفسهم بالمساهمة في إطلاقها.

ما المؤثرات الحياتية والثقافية التي تلقي بعبئها على الناقد، وبماذا تنصح النقاد؟

على المستوى الحياتي، تبدو مشكلة الناقد، هي ذاتها مشكلة كل من يحترف الكتابة في العالم العربي، كل ما حولك في العالم العربي كأنما يدعوك لأن تكون الكتابة، ومن ضمنها النقد السينمائي طبعاً، في إطار الهواية، وليس الاحتراف، ومن الصعب على المرء، في العالم العربي، أن يتفرغ للعمل الكتابي، ويحترفه.

أما على المستوى الثقافي، فتبدو مشكلة الناقد السينمائي أكثر تعقيداً، إنه بين مطرقة جمهور يرغب بأخبار النجوم وأسرارهم وفضائحهم، وسندان سينمائيين يرغبون بالمديح والثناء، ولا يحبون من يدلهم على أخطائهم، أو يكشفها، أو يقولها..

بين هذا وذاك، ومع محدودية، إن لم نقل انعدام، الذهنية الديمقراطية، التي يُفترض بها أن تؤسس لتقبّل الرأي الآخر، ولاستقبال النصيحة، والاستفادة منها، تتفاقم مشكلة الناقد السينمائي في العالم العربي، ذاك الذي يجد بغتة، ودون إرادة منه، ولا قصد، كيف تتحوّل كتابته الناقدة الجادة إلى إعلان عداوة مع هذا المخرج، أو ذاك الممثل.

كيف ترى حمى المهرجانات التي اجتاحت معظم البلدان العربية، وهل تمثل إضافة لمجال السينما فيها؟

المشكلة ليست في حمّى المهرجانات ذاتها.. بل في بعض المهرجانات التي تتعارض مع السينما ذاتها، وإن كانت تستخدمها شعاراً لها، المشكلة أن بعض المهرجانات في العالم العربي لا تمتلك هوية واضحة، ولا سياسة مفهومة، ولا إستراتيجية تراكمية.

من المُفترض بالمهرجان السينمائي في العالم العربي، على الأقل، أن يكون فرصة لالتقاء السينمائيين العرب، وتواصلهم، وتحاورهم، ومناقشاتهم في قضايا السينما العربية، بهمومها ومشاكلها، وطموحاتها، ومستقبلها.. وأن يكون فرصة لاكتشاف الأصوات، والتجارب، والمحاولات السينمائية العربية.. ولكن هذا لا يحصل في بعض المهرجانات.

هذا ما تفعله مهرجانات عربية عريقة، أو ناشئة، من طراز مهرجان القاهرة، قرطاج، دمشق، دبي، الإسماعيلية، وهران، الإسكندرية، مسقط، الخليج، مراكش، طنجة، تطوان..

ولكننا، اليوم، لن نعدم وجود مهرجانات في العالم العربي، لا تهتم بكل هذا؟!.. ليس مهرجانات آخر همّها السينما، فقط، بل هي مهرجانات تقوم بتخريب الحالة السينمائية العربية، سواء من خلال السعي الفارغ لاكتساب سمة «الدولية»، و«الشرق أوسطية»، والحيازة على أكبر عدد من الأفلام التي لا يجمعها جامع، ولا ينظمها ناظم، سوى أنها «عرض أول».

ما رأيك في استخدام المال كوسيلة تميز مهرجانا سينمائيا عن آخر لجلب الأفلام والنجوم والمخرجين؟

لا يمكن القول في هذا النوع من المهرجانات سوى إنها الكارثة.. كارثة المال عندما يجري استخدامه لغايات مريبة.. ولمآرب شخصية.. وكارثة ممارسات القائمين على تلك المهرجانات، عندما يلعبون على إثارة أحطّ الغرائز عند البشر، ويعملون على امتحان مدى قدرة السينمائيين العرب على مقاومة إغراء المال!.. والسينمائيون في النهاية بشر.

هذا النوع من المهرجانات لا يمكن تسميته بأقل من كارثة، خاصة عندما تصبح مصيدة ومفسدة للسينما وللسينمائيين، وتحرفهم عن الطرق النبيلة في الإبداع، وفي التنافس الشريف، وفي التألق الحر.

هل تراني أفشي سراً إن قلت، هناك مهرجانات في العالم العربي باتت تمارس أسلوب شراء ذمم السينمائيين، سواء برشوتهم مالياً، أو بإغرائهم بجائزة مُسبقة الصنع، أو بأشكال مفضوحة من مكافآت تالية، كالوعد بإنتاج أفلام قادمة، أو أفكار أفلام؟!..

في هكذا مهرجانات لم تعد السينما هي الفن والعنوان والغاية والمقصد، بل باتت بمثابة السلعة التي يمكن التعامل بأسلوب المقاولة والشراء. إنهم يشترون حضور الفيلم، من خلال شراء ذمة المخرج، أو المنتج، أو الموزع.

كنت عضواً للجنة نقاد مسابقة أفلام من الإمارات عام 2008، وعضو لجنة تحكيم مهرجان الخليج السينمائي 2009 ، كيف ترى السينما الخليجية عموما والإماراتية خاصة؟

بثقة يمكنني القول إن السينما في الخليج عموماً، وفي الإمارات خصوصاً، هي سينما حبلى بالإمكانيات، بالمواهب.. إنها سينما تشب عن الطوق، وتتطلع لأخذ مكانتها في خارطة السينما العربية. ثمة أسماء سينمائية خليجية واعدة تتطور، وأخرى تتوالد، وطموحات تحتاج للقليل من الوقت والإمكانيات.. ثمة أسماء سينمائية تحتاج للاحتضان والدعم والتشجيع، ليس فقط لأن منها أسماء بدأت تفرض حضورها، بل كذلك لأن هذه المنطقة تحتاج لرسم صورتها السينمائية، وتقديمها للعالم، رغماً عن الصورة النمطية التي رسمها الإعلام.

هل يمكن التعويل مرحليا على القطاع الخاص في قيام سينما محلية في الخليج؟

في وقت بات من نافل القول الحديث عن كون السينما فناً وصناعة وتجارة.. وإنها في بعض الدول وصلت إلى مستوى الصناعات الثقيلة.. لا بد من القول إن السينما تنهض بتكاتف الجهود جميعها، بمساهمة الدولة، والقطاع الخاص بتعدد مستوياته، من مؤسسات وشركات، وبنوك، ورجال أعمال، ومستثمرين.

عندما ننتبه إلى أن بعض الأفلام السينمائية الأجنبية يجني الملايين في سوق السينمائي الخليجي، علينا إدراك أن السينما الخليجية يمكنها أن تكون صناعة وتجارة رابحة مادياً، فضلاً عن المكاسب المعنوية التي تتعلق بالهوية والحضور.

الفيلم الإسرائيلي (لبنان) فاز مؤخرا بجائزة مهرجان فينسيا السينمائي، في ظل تواجد مصري مكثف بثلاثة أفلام، كيف ترى هذه المقارنة والمفارقة؟

الفيلم الإسرائيلي لم يكن في منافسة مع فيلم مصري جيد، أو مع فيلم مصري متوسط الجودة، بل مع فيلم مصري لم ينل حتى استحسان النقاد السينمائيين المصريين أنفسهم، وهو ما يثير أولاً، وقبل ذلك، سؤال اختيار هذا الفيلم «الكارثة السينمائية»، كما وصفه النقاد المصريون، للمشاركة باسم مصر، وفي العموم لا بد من الاعتراف بأن السينما الإسرائيلية تتفوق على عموم السينما العربية، وهو ما يدعو السينمائيين العرب للنهوض والارتقاء من أجل التمكن من التصدي للسينما الإسرائيلية، حيثما أمكن لهم.

كتبت كثيرا عن السينما الفلسطينية، هل عبرت عن حقيقة الموقف الفلسطيني، ودوره في تغيير النظرة السلبية في عيون الغرب تجاه القضية الفلسطينية؟

على مدى عمر القضية الفلسطينية، وهي تتجاوز الستين عاماً، لم يظهر الفلسطينيون اتفاقاً على الصورة التي يقدمونها عن أنفسهم. في زمن «سينما الثورة الفلسطينية»، كانت صورة الفدائي السوبرمان، الملثم القادر على تحقيق الانتصار، رغم أنه لم يستطع محو صورة اللاجئ في مخيمات اللجوء والتشرد. في زمن «السينما الفلسطينية الجديدة» برزت صورة الفلسطيني الإنسان الممتلئ بالذاكرة؛ ذاكرة الإنسان والمكان. في أزمان الانتفاضات المتتالية تنقلت الصورة من طفل الحجارة، إلى الطفل الشهيد، إلى الاستشهادي وأحزمته الناسفة.

أهمية السينما الفلسطينية تكمن أولاً في أنها مشروع طموح يتحدى بقوة واضحة بأس الصورة الإعلامية الغربية، وانحيازها الفاجع لإسرائيل. وتكمن ثانياً في أنها تقوم على مبادرات لأفراد مبدعين خبروا مأساتهم الفردية والعامة. ميزة السينما الفلسطينية أنها تستقى من موارد ومنابع متعددة، بما فيها السينما الإسرائيلية ذاتها، وأن لا سلطة تقمعها، أو تصيبها بالتردد.

في توجهك كناقد سينمائي، أسقطت السينما التجارية وتعاملت معها من خلال سوريا فقط ، لماذا، وكيف تقيّم الأفلام العربية التجارية التي يلعب بطولتها نجوم كبار؟

أزعم أن السينما لديّ فن وقضية، والسينما التجارية تخلو من كليهما، وبالتالي لا أتعب نفسي بالكتابة عنها، أراها وأمضي، أما موضوع «سينما القطاع الخاص في سوريا»، فهو جاء ضمن رباعية كتابية نقدية شئت تحقيقها عن السينما السورية، من سينما القطاع العام، إلى سينما القطاع الخاص، ومن ثم السينما التسجيلية، وأخيراً «سينما الشباب والطلبة والهواة والسينما المستقلة».

ضمن هذا المضلع الرباعي (وليس المربع)، حاولت رؤية ملامح من صورة سورية خلال القرن العشرين، من خلال السينما باعتبارها أداة تعبيرية فنية جمالية، ومضمونيه فكرية، وفيها يمكن تلمس الكثير من الملامح والدلالات للبلد، بدءاً من الشعار السياسي، وحتى تفاصيل الملبس والمأكل والمشرب.

بقي أن بشار إبراهيم شارك كعضو لجنة تحكيم في أكثر من مسابقة ومهرجان سينمائي، يتميز بأسلوبه الجذاب، ولغته المتألقة، يحلل الأفلام بعمق وبساطة، وتسعى رؤيته الثقافية إلى سينما أفضل فكريا وجماليا، ليس بينه وبين الأفلام التجارية أي ود، كتب في معظم الصحف والمجلات العربية، له مجموعة قصص قصيرة بعنوان (سيف الدخان) صدرت في دمشق عام 1995، ومجموعة شعرية بعنوان (موال الجمر لو) عن دار كنعان عام 2000، ومن أهم دراساته الأدبية (المخيم في الرواية الفلسطينية) عن وزارة الثقافة السورية عام 2006، ومن إصداراته السينمائية (رؤى ومواقف في السينما السورية)، (فلسطين في السينما العربية)، و(سينما دريد ونهاد).

حوار ـ أسامة عسل