محمد عبدالحميد يحيى الكمالي، مواطن إماراتي في منتصف الثلاثينات من عمره، هو أحد أقرباء لاعب منتخب الإمارات حمدان الكمالي، وهو من عائلة تبدو مهتمة بشؤون الكرة إلى حد كبير، لكنه يغرد خارج السرب صريحاً ولا علاقة له بالكرة لا من قريب ولا من بعيد؛ فحينما كان الآخرون يتعرفون عليه من مسمى قريب اللاعب المشهور، بدا الكمالي خجولاً لأنه لا يفقه شيئاً عن الكرة أو حتى عن واقع حمدان قريبه، ومؤخراً صار يجمع بعض المعلومات عن قريبه ليستطيع بها مسايرة الكثيرين عند السؤال، لكن لمحمد الكمالي بصمات عريقة تبدو مثيرة للاهتمام في مجال مختلف كلياً.

الكمالي يسكن في أبوظبي وعجمان، ويعمل في بلدية دبي منذ أكثر من 17 عاماً، وعلى الرغم من أنه لم ينتهِ من دراسته في المرحلة الثانوية، إلا أنه يستحق عن جدارة واقعه الحالي لقب «دكتور»، أو لربما مؤرخ إماراتي وخليجي، لما له من حضور ملموس وإنجازات لا يحصيها أرشيفه الخاص الزاخر بألوان خليجية منذ عقود طويلة.محمد الكمالي صاحب إنجازات كثيرة محورها التراث والأصالة، لعل أبرزها أنه حظي بتكريم خاص من سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان، ممثل حاكم أبوظبي في المنطقة الشرقية، لكونه «صاحب فكرة مئوية الشيخ زايد الأول (الكبير)، التي احتفلت بها إمارة أبوظبي هذا العام، ناهيك عن مبادرات تراثية وتاريخية أخرى تخص إمارات الدولة كافة، وتستحق التوقف في ظلالها.

بداية

منذ أن كان عمره 10 أعوام بدا اهتمام محمد الكمالي مختلفاً من حيث تعلقه بجمع الطوابع القديمة التي تخص إمارات الدولة قبل الاتحاد وبعده، إضافة إلى دول مجلس التعاون الخليجي، والتي لايزال يحتفظ بكميات كبيرة منها على الرغم من توقفه عن جمعها منذ نحو 25 عاماً، وتلك الطوابع بنظر الكمالي ليست مجرد ظرف أو ورقة، وإنما هي تعريف لثقافة الدولة وتراثها، وهي «سفير صامت» لدولها.

لكن وعلى ما يبدو، فإن مشوار محمد الكمالي الشاب الطموح الناقل لانتمائه الوطني حيثما حل، لم يكن ليتوقف بكم من الطوابع وحسب، بل تشعب إلى مجالات كثيرة لا حصر لها، وهي التي يأخذها كبار المؤرخين نهجاً علمياً في حياتهم المهنية.

الكمالي اجتهد منذ سنوات عمره الأولى، وبحس تاريخي ووطني صارخ، في جمع مختلف المعلومات التاريخية والتراثية التي تصادفه، بغض النظر عن مصدرها أو كلفتها المادية، ناهيك عن احتفاظه بقصاصات ورق لا حصر لها تُعنى بتاريخ الإمارات والخليج العربي، أو سواها من الموضوعات في الصحف والمجلات، والصور والوثائق، فأرشيفه المنزلي المتواضع يزدحم بكل الملامح التراثية والتاريخية.

انتماء

يقول الكمالي إنه ليس كغيره من جيل الشباب، وتحديداً ممن تستقطبهم ملامح الحداثة أو الإثارة، فهو قلب معلق بالتراث، والتاريخ يسري في دمه، ولا يجد متعته إلا في هذا الواقع، لإيمانه بأن على الإنسان أن يتسلح دائماً بما يكفيه لنقل صورة ناصعة عن بلده، بغض النظر عن مركزه أو مستوى تعليمه؛ فالوطنية والانتماء لا تعترفان بعلم أو مركز أو مسمى، وإنما يُغرسان في روح المواطن حيثما يكون.

محمد الكمالي المفعم بحس الثقافة والتراث، لم يكن ليخرج إلى فضاء الشهرة والإعلام لولا مبادراته الوطنية الخالصة التي لم يقصد من ورائها سوى إرضاء ضميره الإماراتي الصريح، وإثبات موقع له على سلم الوطنية والولاء، ولذلك بادر بجد وابتكار إلى إيجاد مسمى احتفالي يفيض بالمعاني الجميلة، وقد تألقت به إمارة أبوظبي، وهو ما يعرف ب(مئوية زايد الكبير).

قبل أكثر من سبعة شهور من موعد حلول مئوية زايد الكبير التي وافقت 19 مايو 2009 أي (100 عام على وفاته)، تقدم الكمالي بمقترح إلى المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، ومن ثم إلى هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، يهدف من ورائه إلى إيجاد فعاليات احتفالية خاصة بالمغفور له الشيخ زايد الأول الذي حكم أبوظبي 54 عاماً، وهي أطول فترة حكم بين حكام تلك الإمارة.

أسطورة

ويؤكد الكمالي أنه وبحكم معايشته الوثائق التراثية والتاريخية، فهو على إيمان تام بأن ذلك الحاكم الذي بنيت في عهده قلعة الجاهلي العين أواخر القرن التاسع عشر، يمتاز بكونه شخصية أسطورية لها ثقل مجتمعي وتاريخي، فيما تعد مناسبة المائة عام زمناً مثالياً للاحتفال، لذلك فقد ظل مصراً على نقل مبادرته وتفعيلها بشتى السبل.

وبينما كان محمد الكمالي ينتظر ما ستؤول عنه مبادرته في هيئة الثقافة والتراث، لجأ سريعاً إلى كتابة مادة صحافية على شكل تقرير صغير يتحدث عن تلك المناسبة، ونجح في نشره في صحيفة (البيان)، وهي الوسيلة الإعلامية التي منحته الجرعة الأكبر من الثقة والمواصلة نحو إصراره كما يقول، وفي النهاية كان له ما أراد في احتفالية كبيرة أقيمت في العين.

ولا تزال متواصلة في قالب متنوع من الفقرات والفعاليات. قبل هذه المبادرة، تقدم الكمالي وبحكم حسه التاريخي والوطني الفعال، بمقترح لا يقل أهمية وحضوراً، إلى سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي، وزير المالية، يقضي بإرسال 50 شخصاً لتأدية العمرة على نفقة سموه، وذلك خلال رمضان العام الماضي، والمناسبة هذه المرة مرور نصف قرن على وفاة المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم، حاكم دبي الأسبق، وهذا المقترح قوبل باستحسان وبعد أن تم تنفيذه، حظي الكمالي بتكريم آخر لمناسبة تذكيره بالمناسبة والفعالية.

وفي فعاليات (ستون من ذهب لصقر العرب)، أسهم محمد الكمالي في تقديم المقترحات والفعاليات، وفي تزويد اللجنة المنظمة بـ 12 مجلة قديمة قبل وبعد الاتحاد، تخص رأس الخيمة، وتلك المبادرة أيضاً نالت تكريماً يليق بها.

عملات

غير ذلك، يختزن محمد الكمالي ملامح تراثية ووطنية أخرى متنوعة، منها العملات الورقية القديمة على مستوى الخليج، فهو يحتفظ بريالات (إصدار موحد) كانت متداولة بين قطر ودبي قبل الاتحاد، ودنانير بحرينية كانت عملة لأبوظبي، ودرهم ورقي للإمارات منذ بداية الاتحاد سنة 1973، و10 دراهم إماراتية تحمل رقماً مميزاً وهو (مليون)، وريالات عمانية منذ عهد والد السلطان قابوس، وعملة بحرينية قديمة منذ العام 1965، وريالات سعودية منذ عهود قديمة، ودنانير كويتية تعود للعام 1961، منذ عهد الشيخ عبدالله سالم الصباح، وغيرها الكثير.

وثائق

ويحتفظ الكمالي بوثائق أخرى قديمة، منها ملكيات لسيارات صادرة في عجمان قبل الاتحاد، وأخرى لسيارة كويتية قبل 45 عاماً، علاوة على (بوستر إعلاني) لعروض أفلام سينمائية في الكويت منذ العام 1965، ناهيك عن ظروف وطوابع إصدار اليوم الأول قبل أكثر من 50 عاماً، أيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، وعلى الدوام يؤكد الإماراتي محمد الكمالي أنه يفتخر بهوايات هي من صميم الانتماء الوطني.

ومن التاريخ أيضاً ينتزع الكمالي جانباً آخر ملفتاً في تعلقه بالتراث والماضي، إذ إنه يحتفظ لنفسه بعشرات التذاكر التي تحمل رقم 1، وهو أول شخص يدخل لحدائق دبي يوم الافتتاح، منها تذكرة رقم 1 يوم 19 أبريل 1994 في افتتاح حديقة الممزر، وتذكرة رقم 1 لأول شخص دخل مدينة الطفل يوم الافتتاح 6 مارس 2002، وتذكرة رقم 1 لأول زائر لحديقة زعبيل يوم الافتتاح 27 ديسمبر 2005، وتذكرة لحديقة الخور ثاني يوم افتتاح للزائر رقم 777 يوم 23 مارس 1994، وعشرات التذاكر الأخرى التي تجسد حالة وطنية كما يعتبر المواطن محمد الكمالي.

دبي ـ عنان كتانة