قيادة الأوركسترا مهمة صعبة ودقيقة وحذرة، لأنها تضع صاحبها أمام الأعين الناقدة من جانبين؛ أولاهما الجمهور الذي يشاهد ويسمع ويطلب موسيقى صافية لا خطأ فيها، والآخر أعين العازفين الذين تمكنوا من الموسيقى وأصبحت لهم القدرة على اكتشاف أخطاء القائد في لمح البصر. وكون الموسيقى لغة لا تحتاج إلى ترجمان، لأنها تكشف عن براعتها بسهولة؛ فإن تقديم موسيقى شرقية إبداعية إلى العالم يعني أن يكون قائد الأوركسترا قد دخل تحدياً صعباً لابد أن يكون قادراً على النجاح فيه.
وهذا ما فعله قائد الأوركسترا وعازف الكمان السوري محمد حمامي، الذي جمع عازفين من مختلف الجنسيات ليؤسس (أوركسترا الشرق) ويقدم معزوفات شرقية، منطلقاً من دبي إلى العالم. (الحواس الخمس) التقاه في حوار موسيقي، تفاصيله في السطور التاليةيقول محمد حمامي إن أهم الأسس التي يستند عليها قائد الأوركسترا تتمثل بالانسجام مع فرقته من العازفين وقدرته على التأثير فيهم وتقدير مواهبهم وقدراتهم، والتواصل معهم بشكل دقيق، إضافة إلى تنظيم العمل والتدريب المتواصل الذي يجعل كل عازف يعرف بدقة تفاصيل كل معزوفة وتاريخها ومدتها الزمنية، الأمر الذي يحقق الانسجام الكامل بين جميع أعضاء الأوركسترا.
حمامي، الذي بدأ دراسة الموسيقى منذ الثامنة من عمره، يؤكد أهمية نشر الموسيقى الشرقية ليس بتقديمها للعالم عن طريق العروض الموسيقية، وإنما عن طريق جذب العازفين والموسيقيين من مختلف الجنسيات لدراسة الموسيقى وعزفها، يقول: عازفو الأوركسترا من مختلف الجنسيات أصبحوا يؤلفون موسيقى شرقية، وهذا يعني أن الموسيقي من استراليا أو كندا أو أي بلد آخر حين يترك الفرقة ويغادر إلى مكان آخر سيحمل معه موسيقاه التي تعلق بها، وأبدع فيها.
وسيعمل على تقديمها في بلاده، وهي طريقة مناسبة لنشر الموسيقى الشرقية والتعريف بها في مختلف بلدان العالم، وقد ترأست فرقاً عربية عدة، لكني وجدت نفسي مع (أوركسترا الشرق) التي استطعت عن طريقها تعليم المقامات الشرقية لعازفين غربيين، وصرت أرى ثمرة هذا العمل بمعزوفات من تأليفهم؛ فقد قدمت شانون سبيرس من بريطانيا ومعزوفتين شرقيتين هما (بانيان) و(أصلان)، وكذلك مجموعة ألحان خاصة بالفرقة قدمها ستويانوف من بلغاريا هي (حلم دبي) و(في الجنة) و(أفكار)، وقد بدأنا عملنا من دبي، ونحن نعبر عن روحها الشرقية، التي تستقبل مختلف الثقافات العالمية وتؤثر فيها.
ويشير حمامي إلى أن الموسيقى العربية فقدت جزءاً كبيراً من تراثها بسبب التداول الشفاهي لها؛ فالألحان الموسيقية لم تدون في المراحل المبكرة، وأقدم أشكال الموسيقى التي وصلتنا مصدرها الموشحات الأندلسية وسماعيات القدود الحلبية والمقامات لأن الموسيقى العربية القديمة كانت تعتمد على السماع، ولعل ارتباط الموسيقى العربية بالغناء هو الذي جعل مسألة تدوين الموسيقى تقتصر على تدوين القصائد المغناة مع ذكر اسم اللحن الذي يبدو أنه كان معروفاً آنذاك، وأعتقد أن هذا الموضوع يحتاج إلى تضافر جهود ودراسات لاستعادة ما فقد من الموسيقى العربية.
دبي- دلال جويد

