لم يتوقف الحديث عن مستوى السينما المصرية أو مستقبلها يومًا، فعلى مدار سنوات طويلة شهدت الساحة السينمائية الكثير من المتغيرات، نجوم أفلوا وآخرون تقدموا الصفوف في غفلة من الزمن أو الصدفة أبرزت مواهبهم، وذلك في ظل التكاليف الباهظة لصناعة فيلم واحد.

حيث بلغت أجور النجوم الملايين، فضلاً عن التكاليف الباهظة لكل معطيات العمل حتى يخرج إلى النور. ولكن الحديث ـ حاليًا ـ يدور حول ظاهرة لافتة أصبحت محل جدل شديد وهي «التحالفات»، وآخرون يطلقون عليها «الشلليات»، كما دخلت الحلبة الشركات العائلية لخدمة أهداف محددة ولفترات محدودة.وإذا كانت المسألة بدأت بالشلليات فلم يكن الأمر تحكمه صداقات أو علاقات اجتماعية بين النجوم، ولكن تحكمه المصالح، وذلك بعد ظهور نجوم جدد استحوذوا على الشباك بقوة، وفجأة في ظل غياب معايير النجومية يجد النجم نفسه يهوى إلى باطن الأرض دون أن يجد مبررًا واحدًا مقنعًا، فيما صعد آخرون لم يكونوا ضمن الحسابات، ومن هنا انطلقت فكرة الشللية.. «نجم هوى يبحث عن نجم صاعد ليتكئ عليه في أعمال مشتركة، وتشكيل فريق من المقربين بحثًا عن النجاح».

بدا هذا الأمر أكثر وضوحا خلال السنوات الماضية من هذا القرن، فعلى سبيل المثال محمد هنيدي وأحمد السقا وأشرف عبد الباقي وعلاء ولي الدين وهاني رمزي ومنى زكي ، جميعهم شكلوا مجموعة تقوم بأعمال يشاركون فيها، فحققوا نجاحًا مذهلاً ثم انطلقوا إلى فكرة النجم الأوحد، وأصبح كلٌ من هؤلاء يقوم ببطولة عمل بمفرده، ونجحت أفلامهم وحققت الملايين، واستمروا لفترة طويلة يسيطرون على الشباك، ثم بدأ الملل يتسرب إلى نفوس الجماهير حيث الوجوه المحددة والإفيهات متشابهة والأفكار مكررة، لتبدأ مرحلة السقوط والتراجع لأغلبهم.

حيث لم تعد تحقق أفلامهم الإيرادات المطلوبة، أو المتوقعة، ثم بدأوا إعادة الكرة من جديد كل منهم يبحث عن نجم ناجح ليشاركه فيلمه ليتكئ عليه، وعلى نفس الشاكلة يسير خالد الصاوي وروجينا وجومانا مراد ودنيا سمير غانم وباسم السمرة، والمنتج محمد السبكي الذين كوّنوا فريق عمل واحد قدموا من خلاله فيلم «كباريه» ثم «الفرح»، وأخيراً «ليلة المولد» المقرر عرضه خلال الصيف المقبل.

دائرة التكتلات

وإن كانت الشللية ليست جديدة تمامًا عن السينما باعتبارها كانت موجودة في عصور سابقة مع نجوم العصر الذهبي، لكن الآن الظاهرة الأكثر جدلاً هي حالة «التكتلات» التي تشهدها شركات الإنتاج السينمائي، مما أدى إلى تخوف الكثيرين من الظاهرة، وآخرها التحالف السينمائي بين شركة «جودنيوز» و«المجموعة المتحدة» وشركة «السينما الكويتية» بالإضافة إلى ءزش حيث وقعوا اتفاقًا يهدف إلى تنظيم السينما المصرية.

وبالرغم من تأكيدات صدرت آنذاك من مسؤول بشركة «جودنيوز» بأن ما تم لا يقع تحت دائرة التكتلات، ووصفه بأنه تحالف لتنظيم حركة الإنتاج والتوزيع، مرجعا الفكرة إلى ظروف الأزمة المالية العالمية، إلا أن البعض الآخر اعتبره احتكارًا، كما اعتبرته نقابة السينمائيين اعتداءً على حقوق السينمائيين المصريين.

وما شغل بال المعترضين والمتخوفين من ضياع الشركات الصغيرة لأهل الخبرة هو ترحيب غرفة صناعة السينما، والتي بدورها ردت بقوة مؤكدة قناعتها الكاملة بأن هذا التحالف لا يمثل احتكارًا، لأنها كغرفة ضد الاحتكار، وحسب أحد كبار مسئوليها فإنه اعتبر هذا الاتفاق خطوة مهمة ستساهم في إنتاج قوي، وكذلك ستسهم في عرض الأفلام المصرية أول بأول في دول الخليج في أوقات متزامنة مع عرضها في مصر.

ولكن في المقابل رأى عدد من النقاد أن الحكم على مثل هذه التحالفات مرهون بعقلية المسيطرين عليها والمخططين لها حيث تكون خطورتها لو تم تكريسها للاحتكار.

شركات خليجية

وسط هذا الجدل علت أصوات أخرى حول قضية جديدة زادت الجدل اشتعالاً، وهي ظهور شركات إنتاج خليجية من الكويت والسعودية لخلق تكتلات مع بعض الشركات المصرية الكبرى في مجال الإنتاج، وهذا ما اعتبره الكثيرون خطراً يهدد مستقبل السينما المصرية، خاصة أنهم يعتقدون أن بسط اليد الخليجية يساهم في إعادة تشكيل الوجدان المصري من خلال رقابته على الإبداع انطلاقا من معايير ومواصفات خليجية وسعودية.

وإن كانت الشركات السعودية والخليجية بصفة عامة موجودة في الساحة السينمائية منذ سنوات طويلة من خلال رأس المال، إلا أن الرافضين لدخول الشركات الخليجية الساحة السينمائية المصرية عللوا قبولهم لذلك التواجد السابق باعتباره تواجدًا خفيًا من خلال أموال لرجال أعمال يبحثون عن المكسب دون التدخل في الأمور الفنية المتعلقة بالإنتاج، ولكن في الوقت الحالي ظهرت محطات الفضائيات وآلاف من دور العرض على المستوى المصري العربي دفعت شركات إنتاج عربية وخليجية لدخول الساحة علنًا وبقوة، بل أصبحت الساحة حاليًا تشهد صراعًا كبيرًا من الشركات العربية للتواجد بقوة في المجال السينمائي المصري، وما يؤكد ذلك أن النجاح لشركات خليجية مثل ART ,MBC وهما شركتان يمتلكهما رجلا أعمال سعوديين الشيخ صالح كامل والوليد الإبراهيمي دفع رجل أعمال ليبي الجنسية للدخول الساحة بكل قوة وهو أبو القاسم راجح لمواجهة الأموال العربية الخليجية التي أصبحت تتدفق في الساحة السينمائية بقصد المكسب أو الاحتكار، وأنشأ شركة سينمائية بمشاركة رجال أعمال مصريين.

وكان قد سبق هؤلاء الأردني علاء الخواجة، والذي تزوج من نجمتين كبيرتين هما إسعاد يونس وشريهان، وأنشأ أكبر شركة سينمائية تحت اسم «الشركة العربية»، بالإضافة إلى رجل الأعمال السعودي الوليد بن طلال صاحب شركة «روتانا»، وكذلك رجل الأعمال الكويتي هشام الغانم، وغيرهم من رجال الأعمال الخليجيين والعرب.

النقاد منقسمون

إلى هنا أبدى بعض النقاد تحفظهم تجاه هذا التطور المثير بدخول الإنتاج السينمائي مرحلة التكتلات، فيما نفى البعض الآخر أي مبررات لهذا التخوف، ولكن الناقد مصطفى درويش أكد تخوفه من تأثيرات هذه الشركات في مستقبل السينما المصرية، خاصة أن أغلبها جاء من دول تعاني من الرقابة على الإبداع، وهذا ما سيعرض مستقبل السينما إلى انتكاسة فكرية وإبداعية، وأرجع ذلك إلى أن أسوأ أنواع الرقابة التي تأتي من منتج على إنتاجه.

ولكن المخرج محمد كامل القليوبي قلل من هذه التخوفات، وأشار إلى أنه لا يخشى على السينما المصرية من «الخلجنة»، وانتقد المعترضين ووصفهم بأنهم وكأنهم يدفنون رؤوسهم في الرمال عندما وافقوا على الاستثمارات الخليجية عندما كانت مستترة أو خفية، وعندما ظهرت تلك الشركات في النور اعترضوا وقال إن رؤوس الأموال الخليجية تلعب دورًا كبيرًا في الإنتاج السينمائي المصري ومنذ فترة طويلة في غياب دعم الدولة، واستنكر الحديث عن الرقابة في دول خليجية، وانعكاس ذلك على مفاهيمهم.

وأشار إلى أن هناك منتجين مصريين تفوق رقابتهم الرقابة الخليجية، وقال: «أنا كمبدع من حقي الموافقة أو الرفض لما يعرض علي.. إذًا ما المشكلة؟!، بل إن وجودهم يساهم في دعم المنتج الصغير في ظل التكتلات والتكاليف الباهظة حاليًا في مجال الإنتاج».

وهو الرأي الذي أيده بقوة المنتج هاني جرجس الذي أكد عدم تخوفه من هذا الأمر أو على الأفلام من النواحي الإبداعية والفكرية، خاصة ان تمويل السينما في مصر من أموال خارجية لم يكن جديدًا حيث كان العرب عامة أو الخليجيون بصفة خاصة يمولون الفيلم من أجل اسم النجم، ولا يتدخلون في الجوانب الفنية، وأضاف: «إن ظاهرة التكتلات فرضتها ظروف جديدة وهي أحد الحلول المهمة للأزمة المالية التي طالت كل مناحي الحياة»، ولكن جرجس لم ينكر أن عدم خبرة هذه الشركات واحتكارها للنجوم قد أدى إلى ارتفاع أجورهم، وكذلك أجور الفنيين وغيرهم، وهذا أثر بشكل واضح في الشركات الصغيرة التي بدأت تبحث عن تحالفات هي نفسها لمواجهة هذا الواقع.

ولكن حتى التكتلات المحلية أصبحت أيضًا محل جدل، ومثالاً لذلك دخول شركة «الباتروس» في تحالفات مع «النصر» و«الماسة» و«أوسكار»، كما دخل بعض المنتجين في اتفاق مع شركة «روتانا» للقيام بدور منتجين منفذين من خلال أموال «روتانا».

هذه التكتلات أيضًا صاحبها كثير من السلبيات أولها عدم وجود المعلومات المؤكدة لحجم هذه الصناعة من خلال الكيانات الاقتصادية المتحكمة في السوق السينمائية. ولكن المنتج محمد العدل رأى أن هذه التكتلات مجرد «شو إعلامي» لا خوف منها، وقال: «إن الحل الأمثل في هذا الإطار أن تقوم وزارات الإعلام والثقافة والصناعة في مصر بالدخول إلى الساحة للقيام بدور في هذه الصناعة»، وانتقد العدل موقف التليفزيون المصري الذي وصفه بأنه يقف موقف المتفرج، رغم أنه يستطيع استقطاب الأفلام المصرية، مشيراً إلى أنه من الممكن أن تقوم الوزارات الثلاث بإنقاذ هذه الصناعة المهمة، وتنظيم السوق السينمائية بما يخدم الهدف المطلوب.

إلا أن نقيب السينمائيين ورئيس جهاز السينما ممدوح الليثي أكد تأييده لأي تكتلات إذا كانت تقوم من أجل مصلحة السينما المصرية، ولكنه عبر في وقت نفسه عن رفضه بأن ينصبوا أنفسهم منصب مديري تنظيم الصناعة، مشيرًا إلى أن هناك جهازًا ومؤسسات مسؤولة عن هذا الجانب مثل نقابة السينمائيين وغرفة صناعة السينما، مؤكدًا أن الخبرات المصرية الكبيرة هي الأقدر على عملية التنظيم.