الرسام مصطفى أحمد هوايته رسم الوجوه وهي هواية تأصلت في أعماقه، يحاول من خلالها رصد أحاسيس النفس البشرية والانفعالات الحقيقية التي قد يحاول صاحب «البورتريه» إخفاءها، فهو، كما يقول، يتعامل مع الوجه كمادة خام يقوم بالعبث بها بريشته كمبدع، لافتا الى أن هواية رسم البورتريهات والمناظر الطبيعية لها ريشة خاصة وألوان تختلف من فنان لآخر، فكل فنان.

كما يقول، له عالم من الألوان والخطوط والنظريات يعتمد عليها في رسمه. مشيرا إلى أن أصعب شيء في رسم البورتريه هو التعامل معه من منظور التعمق في دهاليز النفس البشرية، وليس من منظور الملامح الخارجية لها. هاوي رسم الوجوه مصطفى أحمد البالغ من العمر 50 عاما، يؤكد أن هوايته لم تأت مصادفة، فقد ولد في بيت يعشق الفن بجميع ألوانه، ويقول: منذ أن كنت طفلا وأنا أجد في منزلي تربة خصبة لهوايتي وموهبتي، فقد كنت أرى والدي الفنان الذي كان يصمم العديد من الأحذية بأشكال نادرة جميعها تتواكب مع متطلبات السوق وأيضًا الموضة.

الشخبطة بالقلم... وسط هذا المناخ أمسك الطفل مصطفى بالورقة وبدأ يشخبط بالقلم، وينفذ بعض الخطوط بطريقة عشوائية، ما لبثت أن تحولت إلى خطوط ورسومات هادفة حتى لاحظ والده موهبته وفراسته في معرفة ملامح الوجه جيدًا قبل الرسم فكان حريصا على مساعدته وتوفير الخامات له، وكذلك منحه الفرصة للذهاب إلى معارض الفن التشكيلي.. ومن هنا زاد تعلق الطفل بهواية الرسم لدرجة أنه أصبح معروفا بين المحيطين به، الذين كانوا يأتون إليه كي يرسم وجوههم. وحول سر هذا النبوغ في الصغر يؤكد هاوي رسم الوجوه، أنه لولا الرعاية الأسرية ما حدث هذا.. ويعطي مثالاً بأشهر عازف في التاريخ وهو بيتهوفن الذي عزف أشهر السيمفونيات العالمية في البلاط الملكي ومازالت هذه المقطوعات الموسيقية الخالدة يتباهى بها الموسيقيون على أنها من التحف الرائعة ويقول مصطفى: لو لم يجد هذا العازف بيانو أمامه في منزله مسبقًا ومجهزًا لما استطاع العزف وتقديم هذا الإبداع الموسيقى.

مواهب صغيرة... في كلام رسام الوجوه معنى يقصده جيدا وهو دور الأسرة التي تلاحظ المواهب في أولادها منذ الصغر وتوفر لهم المناخ الملائم للإبداع.. ويستطرد قائلا: تنمية الخيال منذ الصغر تنمي المعجزات، فعلى سبيل المثال الفنان العالمي الذي بهر العالم بفنه وهو «ليوناردو دافنشي» لم يكن رسامًا عاديًا، فالكثير لا يعلم أنه كان يصمم أشياء لم تكن موجودة في عصره على الإطلاق مثل تصميم الدبابة «البرمائية» والطائرة العمودية «الهليكوبتر» في وقت سبق ظهور هذه المخترعات في العصر الحديث، لافتا إلى أن هذا الفنان عندما وجد ورقة سقطت من شجرة وأخذت تدور بشكل عمودي أتت إليه فكرة «الطائرة العمودية». ولم يكن يحدث هذا لولا المناخ الذي نشأ فيه والرعاية الأسرية التي حظي بها. ومن واقع موهبته يؤمن مصطفى بأن الله منح كل فنان موهوب ما يميزه دون غيره، ويقول: منذ أن كنت في الكتاب وهو ما يشبه الحضانة حاليًا رسمت على الكثير من أوراق وكراريس الكتاب والجدران أيضًا وكنت ألقى تشجيعا كبيرا أوصلني لما أنا عليه الآن من الشهرة في وسائل الإعلام المختلفة.

يشعر مصطفى بأنه في قمة السعادة الآن لأنه حرص على تنمية موهبته في فن البورتريه منذ أن كان طفلا صغيرا، موضحا أن هذا الفن يمثل طبيعة وملامح قد لا يراها الإنسان في نفسه.

غوامق وفواتح

الأزرق هو اللون المفضل لهاوي رسم البورتريهات باعتباره لون الهدوء وراحة الأعصاب، كما يستطيع هذا البارع أن يخرج العديد من الغوامق والفواتح في الوجه، أما أدوات الرسم الأساسية له فهي الفرشاة والعصا والألوان من الزيت أو الفحم، وبهذه الأدوات البسيطة رسم مصطفى ملايين البورتريهات، فعلى حد تعبيره يرسم بمتوسط من 5 إلى 10 لوحات يوميًا، أما البورتريهات السريعة والعادية فلا تأخذ منه وقتا. ولا يشرع مصطفى في رسم شخصية لمجرد كونها شهيرة أو مؤثرة في المجتمع فقط، بل لا بد أن تكون هذه الشخصية ثرية في انفعالاتها، حتى يستطيع رسمها بسهولة.

ويشير إلى أن أول بورتريه رسمه في حياته كان لوالده، كما تنوعت رسوماته أيضا بين المناظر الطبيعية بالأهرامات ونهر النيل والنخيل وبعض الأشجار.. ويزيد على ذلك قائلا: طوال مشواري رسمت الملايين من الأشخاص داخل وخارج مصر، والكثير ممن يأتون إليّ يندهشون عندما آخذ دقائق بسيطة جدًا في رسم أي وجه أو منظر طبيعي وذلك لسنين الخبرة التي مررت بها.

علم

عندما تقودك قدماك إلى مكتب مصطفى، أول ما تقابلك لافتة كبيرة مكتوب عليها «رسام المشاهير وصفوة المجتمع».. لكن هذه اللافتة لم تأت من فراغ بل إنها تتويج لمشوار طويل قطعه مصطفى مع الرسم، أو كما يقول هو: هوايتي أخذت كل عمري بكل ترحاب وحب وشغف بها.

شهرة مصطفى في عالم البورتريهات جعلته موضع اهتمام النجوم، ومن بينهم سهير المرشدي التي عندما رسمها مصطفى، كما يقول، كان لوجهها صفات مميزة وهي تدل على أنها مثقفة جدًا لأبعد درجة، فعيونها واسعة رومانسية وأنثى حقيقية بالرغم من أدبها الجم وشخصيتها السوية المحترمة.

من الفنانات اللاتي تعامل معهن أيضا فريدة سيف النصر فقد سمعت عنه وأتت إليه من أجل أن يرسمها، كما رسم لها أيضا لوحات مساحتها 7 أمتار في أربعة، عن سباق الخيول وشهدت فريدة بقدرته الفنية أيضًا.

هو والمشاهير

يتحدث مصطفى عن الفنان محمود عبدالعزيز فيقول إنه إنسان لا يمكن إرضاؤه بسهولة، فهو يتمسك بوجهة نظره إلى أبعد حد، أما فيما يتعلق بالمخرج الراحل كمال الشيخ، فكما يقول هاوي رسم البورتريهات، كان قريبا من محل عملي وكان دائم الشهادة لي بعد رسمه، فهو كان شخصا يتسم بالحكمة والبساطة وبعد النظر والدقة الشديدة في الأمور وهذا كان ظاهرا في ملامح وجهه، كذلك الفنانة مادلين طبر فمن خلال رسمي لها وجدتها مثقفة جدًا وبارعة في الرسم.

ويؤكد مصطفى أن هناك الآلاف ممن رسمهم كان لكل منهم صفات وسمات منها المحبوب وغير المحبوب.

وكأي هواية أخرى مر هاوي رسم البورتريهات بمواقف غريبة أثناء مباشرة عمله، وحول ذلك يقول إنه استطاع كشف عصابة من الأجانب بعدما قام برسم وجوههم للشرطة من خلال المواصفات التي توافرت له، ويقول إن رجال البحث الجنائي كثيرا ما يستعينون به في الكشف عن المجرمين.

شهرة مصطفى لم تتوقف عند بلده مصر، بل عرضت ببورتريهاته في صالات محلية وعربية وعالمية، كما اشترك في معارض كبري بأميركا واليابان والصين والكويت، والأخيرة لها ذكريات مع مصطفى، فعندما رسم بالصدفة رئيس تحرير جريدة القبس وأعجبه الرسم، طلبه لتقديم كاريكاتير يومي بجريدة القبس.