يعد العلاج بالموسيقى جديدا نسبيا في عالمنا العربي، كما أن ممارسته تقتصر على بعض المراكز الطبية في عدد من الدول العربية منها الإمارات ومصر وسوريا والأردن، بل إن البعض لايزال يشكك في أهميته كعلاج لعدد من الأمراض النفسية والجسدية، رغم التاريخ الطويل لهذا النوع من الطب.
ويؤكد الدكتور وسيم القطب باحث ومعالج موسيقي على أن العلاج بالموسيقى قديم جدا ،حيث استخدمه بعض الأطباء والفلاسفة والموسيقيين العرب كالكندي الذي تحدث عنه في كتاب «المدخل إلى الموسيقى»، إضافة إلى ابن سينا والفارابي، وانتشرت فيما مضى عدد من المشافي أو «البيمارستانات» المتخصصة بالعلاج الموسيقي كـ «بيمارستان النوري» في دمشق، حيث كان المرضى يوضعون بجانب بحرات المياه ليستمعوا لخرير المياه وأصوات الطبيعة التي كانت تخفف من آلامهم.
ويشير القطب إلى أن أوروبا عرفت العلاج بالموسيقى بعد الحرب العالمية الثانية حيث كان هناك عدد من الموسيقيين المتطوعين الذين يذهبون للمشافي لعزف الموسيقى بهدف تخفيف معاناة الجنود العائدين من الحرب، ولاحظ الأطباء تحسنا كبيرا على الحالة النفسية للمرضى بعد سماعهم، فقاموا بإجراء عدد من الأبحاث حول ذلك، وبدأ مفهوم العلاج بالموسيقى يتوسع وتعددت طرقه وأساليبه.ويضيف: الآن ثمة منظمة عالمية للعلاج الموسيقي تدعى «أمتا» تأسست منذ 20 عام وتضم 5 آلاف طبيب معالج بالموسيقى، ومقرها في الولايات المتحدة الأميركية.
ويشير القطب إلى أن البعض يعتقد أن العلاج بالموسيقى يقتصر فقط على الاستماع بالموسيقى، لافتا إلى أنه يتضمن استخدامها الموسيقى لأهداف أخرى منها: تعديل السلوك عند الأطفال، أو تعليمهم مهارات جديدة، فضلا عن استخدام الأدوات الموسيقية لإعادة التأهيل الفيزيائي عند مصابي الجلطات الدماغية ومرضى الباركنسون.
ويضيف: قبل كل شيء أريد أن أوضح أن العلاج بالموسيقى لا يعتمد فقط على الاستماع إلى الموسيقى، ولكنه استخدام الموسيقى كوسيلة لتحقيق أهداف تربوية أو تطوير مهارات لدى المرضى، أنا أعمل حاليا على موضوع تحسين مهارات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة كأطفال التوحد أو المنغوليين أو الذين لديهم تلعثم أو تأخر في النطق.
ويؤكد أنه خلال جلسات العلاج بالموسيقى يتم استخدام الأدوات الموسيقية لأهداف معينة، حيث يقوم المعالج بتعليم الأطفال العد والألوان والفرق بين الاتجاهات الأربعة، كما يزيد التواصل البصري معهم والمشاركة الاجتماعية، لأنهم يملكون صعوبة في التواصل الاجتماعي، فضلا عن مساعدتهم في تقوية عضلات الحنجرة من خلال استخدام الأدوات الموسيقية النفخية.
ويتابع: هناك قسم للاستماع يفيد في معالجة الاكتئاب كما يخفف التوتر لدى مرضى الزهايمر والباركنسون، ويخفف أيضا الضغط الجسدي والنفسي لدى عدد من المرضى، كما يخفف كمية الدواء المستخدمة لعلاج بعض الأمراض وخاصة مرض السكري.
وينفي القطب أن يكون العلاج بالموسيقى بديلا عن العلاج بالأدوية، مشيرا إلى أنه عامل مساعد أو مكمل للعلاج الدوائي، وليس بديلا عنه، مشيرا إلى أنه يتزامن مع العلاج الفيزيائي، وخاصة مع مرضى الشلل الدماغي، من خلال مساعدتهم على تقوية عضلاتهم باستخدام الآلات الموسيقية الإيقاعية والنفخية.
ويضيف: نقوم بمساعدة أطفال التوحد الذين لديهم ضعف في عضلات اليدين، على تقوية أصابعهم من خلال آلة البيانو، وتقوية الأصابع تساعدهم على مسك القلم ليقوموا بالكتابة، أي أنه عملية تنسيق نفسي حركي، وأود التأكيد هنا أن العلاج بالموسيقى قد يحقق نتائج إيجابية وقد لا يفعل، لكن نسبة الفائدة عند أطفال التوحد بلغت حوالي 80 في المئة.
ويؤكد القطب على أن المعالج بالموسيقى يجب أن يتمتع بعدة خصائص منها: دراسته الطب النفسي واهتمامه الكبير بالموسيقى، ومن ثم قدرته على تأليف مقطوعات موسيقية ارتجالية تناسب حالة المريض، وتمتعه بقدر كبير من الصبر والهدوء لأنه سيتعامل مع أشخاص ذوي احتياجات خاصة، فضلا عن قدرته على حل المشاكل التي تطرأ خلال العلاج وابتكاره لطرق علاجية جديدة.
ويضيف: عادة ما يتضمن العلاج بالموسيقى فترة استماع تتراوح بين 30 و 45 دقيقة وخاصة لدى مرضى الاكتئاب أو الباركنسون، حيث يتم إعداد الموسيقى حسب حالة المريض كأن الطبيب هنا يضع موسيقى تصويرية تعبر عن حالة مريضه، ويرافق ذلك تنظيم التنفس والتأمل الموجه.
وحول نوع الموسيقى المستخدمة في العلاج يرى القطب أن أي موسيقى تصلح للعلاج، مع مراعاة الحالة المرضية التي يواجهها الطبيب المعالج، مشيرا إلى وجود أنواع موسيقية محفزة ومنشطة (تحتوي تغيرات بإيقاعها وتواتر في سرعتها مع تغييرات فجائية كارتفاع وانخفاض الصوت وتوقف العزف غير المتوقع، وهناك موسيقى الاسترخاء التي تتميز بثبات إيقاعها ولحنها الهادئ والمتوقع لدى الناس.)
دمشق - حسن سلمان


