الطبيب العراقي الجراح النضر شريف جمعَ بين الشعر والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي، وكانت نشأته في أسرة من أعرق الأسر البغدادية في الأدب والدين والثقافة والطب، فوالده الأديب مصطفى شريف هو أول جراح عيون في العراق، نال شهادته من فرنسا عام 1939م، أما والدته فهي من بيت فضل وأدب وكانت شاعرة تكتب الشعر المقفى، وجده لأبيه كان المفتي الكبير في بغداد.
حيث كانت تعقد في بيته بمنطقة الأعظمية العريقة دروس الفقه والأدب ويعود الناس إليه في أمور دينهم ودنياهم، وعلى هذا الطريق العبق بأنفاس الماضي العطرة؛ سار النضر شريف في مراحل حياته حتى بات جراحاً يشار له بالبنان. وموسيقياً يمتلك خزيناً من ثقافة الشرق والغرب يندر أن يوجد، وشاعراً مرهف الحس يكتب بعاطفة ترق لها قلوب العذارى، ومصوراً فوتوغرافياً حصد جوائز عالمية، وهو قبل كل ذلك «ابن الرافدين» منبع الحضارة الإنسانية وشجرة النور التي شعت لتشمل العالم بوهجها، «الحواس الخمس» كان له هذه الإطلالة على بعض محطات حياة الطبيب والشاعر والموسيقي العراقي ..
يتذكر النضر أيام دراسته الأولى في كلية طب بغداد العريقة؛ فيقول: يعود الفضل في التأسيس القوي لكلية طب بغداد للدكتور هاري ساندرسن الذي أرسى قواعدها عام 1927م، فخرّجت هذه الكلية آلاف الأطباء العراقيين الأكفاء الذين تشهد لهم محافل العالم العلمية والمهنية، فتتلمذت على يد خيرة الأساتذة في هذه الكلية، وكان تخرجي عام 1971م في الطب العام. وما ان وصلتُ إلى البيت حتى وجدتُ والدي وقد جهز لي هدية ما زلتُ احتفظ بها إلى اليوم، وهي «الوصايا» التي على الطبيب أن يمتثل لها ليجمع بين خدمة الناس والعلم والرسالة التي يحملها، وأتمنى أن تطبع في جميع كليات الطب في العالم العربي والعالم حتى يستفيد من دروسها الأخلاقية والعلمية الأطباء.
ومن أندر ما مر بي في تلك المرحلة إقامتي في سجن «أبو غريب» الشهير سنة كاملة كطبيب مقيم فكنتُ والسجناء كأحدهم، لأرحل بعدها إلى بريطانيا لإكمال الدراسة وكان باستقبالي أستاذي وصديقي الدكتور نزار المفتي الذي وقف إلى جانبي حتى الآن، فالتحقتُ بجامعة كامبريدج في تخصص جراحة العظام وتجميلها واستمرت دراستي فيها إضافة لممارستي المهنية طيلة 13 سنة بعدها، التحقتُ بعدها كجراح عظام في مستشفى الجزيرة في أبو ظبي عام 1984م، وفي عام 1988م انتقلت إلى عيادتي الخاصة.
وقد أجريتُ في سنة التحاقي الأولى بمستشفى الجزيرة أول عملية تبديل لمفصل الركبة، وفي سنة 1986م أجريت أول ناظور جراحي لإماراتي في المنطقة، ومرّت بي عشرات من حالات الإصابة الخطرة وبحمد الله استطعتُ إصلاحها ومعالجتها.
للدكتور النضر مبادئ أخلاقية في ممارسة مهنة الطب لم يتنازل عنها طيلة ما يقارب 4 عقود من الزمن، فهو يرى بأن الطب هو فن وموهبة وتعلم، وحين يصل الطبيب إلى مرحلة علمية متطورة فيجب عليه أن يزداد تواضعاً لأن الفخر بما ينجز -كما يقول- يكاد يصل إلى الغرور الذي يسقط الإنسان في وحل اللاإنسانية، وحول ما إذا كانت الجينات الوراثية تسهم في ظهور ونبوغ العباقرة؛ يقول النضر: في الحالة العراقية هناك عدة شواهد على مبدأ توارث العلم والعبقرية.
فلديك الموهبة اللامتناهية في الهندسة للمعمارية زهاء حديد، ومحمد مكية في الهندسة أيضاً، وتشرشل التميمي هذه العبقرية الفذة الذي كان يدرس على ضوء مصابيح الشارع بمدينة الديوانية ليصبح أحد عباقرة العالم، وأتمنى أن يكتب أحدهم ويجمع بصورة علمية وموسوعية عن هذه الظاهرة في العراق تحديداً.
من الطب والجراحة انتقل حديثناً مع الدكتور شريف إلى عالم التصوير الفوتوغرافي الذي أبدع فيه، فنال عدة جوائز عالمية، منها الجائزة الثانية من بذ على مستوى العالم لصورة الألفية 2000، وجوائز من الجمعية الملكية البريطانية للتصوير عن صوره لحفل البولشوي الذي أقيم في أبو ظبي عام 1989م، بينما ظلت حسرة في نفسه عدم تمكنه من تصوير أهوار الجنوب العراقي التي يحن إليها، عن موهبته في التصوير يقول: اجتذبني التصوير الفوتوغرافي منذ مطلع الستينات في العراق، فكنتُ أسير بكاميرتي الكوداك وألتقط عشرات الصور لمدينتي وحبيبتي بغداد وما زلت أحتفظ بتلك الصور إلى اليوم، ولعلني وجدتُ ضالتي في التصوير بعد محاولتي الرسم الذي فشلتُ فيه فشلاً ذريعاً، وأنا الآن وبعد مرور العراق بما مر ويمر فيه من خراب، أعض أصبع الندم لأني لم أصور جميع تفاصيله.
وقد درست التصوير الفوتوغرافي بعد خروجي من العراق على يد أساتذة في بريطانيا، ومن الأحداث التي مرت بي هو فقداني لكاميرا أعارني إياها صديقي د.نزار المفتي وكانت عزيزة عليه، ثم اقتنيت عدة كاميرات متطورة في السبعينات لأقوم بعدها بإنشاء أول مكتبة طبية مصورة في بريطانيا وهي تحوي الآن 12000 سلايد لصورة طبية من عمليات الجراحة، وأعتقد أن من عوامل نجاح الصورة الفوتوغرافية هي تعبيرها والإبداع فيها.
كما أسلفنا فالنضر شريف يمتلك إلى جانب خبرته في الطب والتصوير؛ موهبة موسيقية نادرة، فهو عازف كمان وعود ومؤلف نوتات موسيقية، عن عشقه وبدايته مع الموسيقى يقول: كان والدي يعلمني المقامات العراقية والقراءات المصرية، وكانت والدتي تكتب الشعر أيضاً، وكانا أيضاً من عشاق محمد عبد الوهاب الذي حفظت العشرات من القصائد التي غناها ومنها قصيدة «كليوباترا» لعلي محمود طه التي حفظتها كاملة عن ظهر قلب.
وكان بعدها صوت عبد الحليم الذي يذكر بالحب البريء لبنت الجيران وصوت ناظم الغزالي والقبانجي وغيرهم سادة النغم، ودرست آلة الكمان على يد ياسين الشيخلي الذي هاجر لأميركا فوجدت في أنغامه رومانسية وأحلاماً وتأملات بعثت في نفسي عاطفة ساعدتني على عشق الجمال.
كما درستُ العود على يد أحمد الراوي، لأنكب بعدها على دراسة علم الموسيقى في مبادئه الأولى، وتعرفتُ في بريطانيا على الموسيقى الكلاسيكية فاكتملت لدي مكتبة موسيقية كبيرة »شرقية- غربية»، وحين أقمت في الإمارات قدمت فرقة مسرحية بريطانية لتقديم أوبرا احتاجوا فيها إلى عازفين فشكلنا فرقة فؤاد المكونة من 25 عازفاً ورافقنا الفرقة البريطانية في العزف، فكنت أعزف الكمان وابنتي تعزف الفلوت.
وقد أحيت فرقتنا عشرات الحفلات وقمت يومها بتوزيع مقطوعتين تراثيتين من العراق بتوزيع غربي كلاسيكي وهما جي مالي والي وفوك النخل وقمت بكتابة النوتات للفرقة بأكملها بما فيها مقطوعات لموزارت وبيتهوفن، وانفرط عقد هذه الفرقة بسفر معظم أعضائها إلى بلدانهم.
كغيره ممن ثقف أذنه ونفسه بالموسيقى الأصيلة التي كانت تحترم الناس وتقوم على قواعد علمية، يرفض الدكتور النضر شريف ما يجري من مهزلة فنية في العصر الحديث عصر الواوا، فيقول في ذلك: إن ما يمر به العالم العربي من انحدار فني وثقافي وإنساني يجعلني وغيري نلوذ بالماضي الموسيقي العريق، فأغنية مثل «مريت على بيت الحبايب» لعبد الوهاب تضم 17 مقاماً مختلفاً، ومن قطعة موسيقية واحدة استنبط 13 لحناً مختلفاً لأغانيه، وغير ذلك من شواهد العبقرية في ذلك الزمن الجميل، فأين هذا الزمن من ذاك!!.
الشاعر العاشق
كتب النضر شريف عشرات من القصائد التي تحمل أسلوباً عاطفياً بطريقة الشعر الغنائي، فصدر له عام 2004م ديوان إليكِ يا امرأة وهو يعيد القارئ إلى أزمنة الحب العذري والعاطفة المحترقة بلهب العشق، ويعيش الشاعر في معظم قصائد ذلك الديوان بعوالم رومانسية كأنها تبتعد عن الواقع الدنيوي الذي تحياه البشرية، ويستعد النضر حالياً لإصدار ديوانه الثاني أناكوندا الذي يجسد شعرياً حالات التحول لدى المرأة بوصفها السيكولوجي.
أبو ظبي ـ محمد الأنصاري



