الهند وباكستان شعب واحد انشطر إلى شعبين شقيقين، وتاريخ وكنوز توارثها الأبناء من الآباء والأجداد تجسد وحدة هذا الشعب، هكذا يتحدث الباكستاني سيد نعمان سعيد ل(الحواس الخمس)، وهو يسرد قصة المصحف الشريف الذي يعود تاريخه إلى 400 سنة ماضية إبان الحقبة التي كانت فيها الهند وباكستان دولة واحد.

ويمضي سيد في سرده الشيق عن المصحف الشريف الذي يعد واحداً من عجائب التراث الإسلامي التي تفاخر بها أسرته والشعب الباكستاني، على حسب تعبيره لعدة أسباب، أولها أنها نسخة مخطوطة بخط اليد وبالذهب الخالص، وغير مكررة، وتحتفظ ببريقها ووضوح حروفها حتى اليوم، وكأنها كتبت في البارحة، وليس قبل 400 عام، وهو مكمن الجمال والتفرد. والنسخة ملك خاص لأسرته توارثوها من جدتهم فاطمة بنت حسن، التي كانت شديدة التدين وحافظة لكتاب الله وشديدة الحرص على اقتناء المخطوطات القرآنية النادرة، وليس المصحف الشريف فقط، وأوصت بعدم التفريط في هذه النسخة التي تعتبر من الممتلكات الثمينة، وهو الأمر الذي جعل أسرته ترفض بيعها إلى عدد من هواة اقتناء الأشياء القديمة والنادرة من غير المسلمين، على الرغم من أن العروض كانت مغرية وبمبالغ كبيرة.

ويبين سيد أن كتابة النسخة النادرة استغرقت في ذاك الزمان أربعة أشهر، ولم تكلف كثيراً من المال، لأن الذهب في تلك الفترة لم يكن نادراً وثمنه غير مرتفع كما هو اليوم، لذلك تمت كتابة المصحف بالذهب الخالص، والحبر مصنوع من الأحجار الكريمة والعقيق والياقوت وحجر النيل، أما الورق فصنع يدوياً وبوصفات خاصة وسرية غير متداولة، يعود عهدها إلى الهند القديمة في العام الثاني عشر هجرياً، أما الغلاف فتمت صناعته في العام 19 هجرياً، والحديث لسيد نعمان سعيد، مالك النسخة النادرة من المصحف الشريف، الذي يعرضه للبيع شريطة أن يضعه المشتري في مكان يليق به، وأن يكون الشاري من المسلمين، لأن هذه المخطوطة إسلامية وتمثل التراث الإسلامي، وينبغي ألا تقع في أيدي غير مسلمة.

ويتمنى سيد نعمان سعيد لو يبادر أحد المتاحف الإسلامية بتملك هذه النسخة ورعايتها وحفظها من الاندثار، لأنه يخاف عليها من الضياع إن بقيت في حوزته، على حسب تعبيره، إضافة إلى أنه يريد للمسلمين التعرف إليها، ولن يتم ذلك إلا إذا عرضت في متحف أو مكان عام يؤمه الجمهور المسلم.

ويؤكد سيد أنه استوثق من صحة المعلومات التاريخية، وعمر المخطوطة من المسؤولين عن الوثائق التاريخية في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، بواسطة الدكتور عدنان داغستاني، رئيس قسم المعالجة والترميم بالمركز.

ومن الهوايات والمهارات الأخرى التي عرفت بها عائلة سيد نعمان وتوارثوها كما المخطوطات النادرة، الخط العربي بكل أنواعه، لذا كان من الطبيعي أن تمتلك الأسرة عدداً من المخطوطات العربية والإسلامية، ويرى سيد ان جماليات الخط العربي بحر متلاطم الأمواج، ويصلح لكثير من الفنون، موضحاً أن أسرته تخصصت في جميع أنواع هذه الفنون، وتعتبر محبة ومبدعة ومبتكرة في فنون الخط العربي، وعلى الرغم من عدم إجادته اللغة العربية يحفظ سيد القرآن الكريم بفصاحة لسان وقوة بيان، ويكتب بالحرف العربي ببراعة متكاملة.

ويقول سيد عن حفظه كتاب الله: إنها معجزات القرآن الكريم، فهو لا يحتاج إلى دراسة أو تعلم اللغة العربية حتى تحفظ آياته، فالحب والإيمان من شأنهما أن يسهلا لك كل الصعوبات اللغوية، ولهذه الأسباب، على حسب وصفه، لا يريد لهذا التراث الإسلامي أن يقع في أيادي لا تعرف قيمة وقدسية المصحف الشريف، الذي أنزله الله سبحانه وتعالى على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وحول الأساليب العلمية التي اتبعتها أسرته في الحفاظ على المخطوطات النادرة من التلف، يقول إن السر يكمن في نوعية المواد المستخدمة في صناعة الورق، بجانب الوصفات القديمة التي تطيل عمر المخطوطة، وعلى الرغم من البدائية، إلا أنها تعد من المعجزات اليوم، والبعض يحتار كيف توصل لها الأولون، هذا فضلاً عن تمازج الأحجار الكريمة مثل العقيق والياقوت التي صنع منها الأحبار مع الذهب الخالص الذي يشكل الجانب الأكبر من المخطوطة، كل هذه العوامل مجتمعة أسهمت في حفظ المصحف من التلف، إضافة إلى الأساليب التقليدية المعروفة بحفظ المخطوطات في مكان جاف بعيداً عن الرطوبة وأشعة الشمس المباشرة.

دبي - عماد الدين إبراهيم