من الواضح أن نوعية الأفلام التي تعرض هذا الأسبوع في صالات السينما بالإمارات ومعظمها ضعيف وتجاري، دفعت غالبية المتفرجين إلي تحقيق كثافة عالية في المشاهدة لفيلم (أوغاد مشينون - Inglorious Basterds) للمخرج الأميركي الشهير كوينتين تارانتينو، أولا لسابق عرضه في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي خلال دورته الأخيرة، وحصول الممثل ذا الأصول النمساوية كريستوف فالتز على جائزة أفضل ممثل وتفوقه من خلال دور مساعد على النجم براد بيت صاحب الدور الرئيسي في العمل.
وثانيا للسمعة غير الطيبة التي صدّرتها عيون و أقلام النقاد عن هذا الفيلم الذي ترقبوه كثيرا، وكان أملهم أن يحقق المفاجأة لعام 2009.من المعروف والمتداول حاليا أن نسخة الفيلم المعروضة الآن كما أكدت الأخبار المصاحبة للعرض الجماهيري، تختلف قليلا عن النسخة التي عرضت في مهرجان كان، فالمخرج قرر حذف بعض المشاهد للتقليل من طول الفيلم، الأمر الذي يعتبر أحيانا من الأمور المهمة في تسويق الفيلم على الصالات.ومما لا شك فيه أن غالبية المشاهدين لم يقفوا على رأي ثابت حول نجاح الفيلم أو فشله، ولكنهم أجمعوا على أن مشاهد تصفية هتلر وأركان نظامه في نهاية العمل لم تنطل على أحد، وكانت متناقضة مع حقائق انتحار زعيم الرايخ أو إعدامه من قبل زمرته، كما تقول حقائق الحرب ومجرياتها، ولكن تارانتينو لاعتبارات خاصة بمداهنة اليهود لاستقطاب أكبر تمويل للفيلم، حقق انتصارا كبيرا لهم من النازية.
ولكن على الشاشة فقط. يتكون فيلم (أوغاد مشينون) من خمسة فصول، متبعا أسلوب الروايات الأدبية في تناولها لسرد الأحداث، أو ترتيب الشخصيات، أو الربط بين مضمون ما يتم استعراضه، كما يتميز حوار الفيلم بالعديد من اللغات الألمانية والإنجليزية والفرنسية والإيطالية، عاكسا الحرب العالمية وتداخل جنسيات مختلفة في مراحلها على مر السنين.
الفصل الأول، يبدأ بعبارات (كان يا مكان في فرنسا يحتلها نازيون ـ 1941)، ويعتبر هذا الفصل من أجمل فصول الفيلم من ناحية الإضاءة والهدوء، إذ انه يفتتح بمشهد مزارع يقوم بقطع الأخشاب تلفت ابنته نظره لسيارات عسكرية ألمانية مقبله تجاههم يقودها العقيد (هانز لاندا ـ كريستوف فالتز)، الذي يتكلم كل اللغات ويخون نفسه كل مرة ينتقل فيها من لغة لأخرى، وهو ضابط يتميز بالصرامة والسيادية والنعومة المغلفة بالمكر، مهمته ملاحقة اليهود الهاربين ويطلقون عليه (صياد اليهود)، ويقوم بالتحقيق مع المزارع (لاباديت) وبطريقة استفزازية.
ويدور معظم الحديث بالفرنسية التي يتحدث بها بطلاقة ثم وبحركة سريعة أثناء التحقيق يتحول للانجليزية في محاولة منه إلى دفع لاباديت لخيانة نفسه وإجباره على الاعتراف، وأثناء التحقيق يطلب لاندا من بنات المزارع الجميلات الخروج وعندما يدخلن يندلع العنف فجأة، ولا نرى إلا الرصاص يخرق أرضية البيت الخشبي وهروب واحدة من البنات بشكل يجزم أن العائلة قتلت، ولا نعرف ما حدث للهاربة في هذا الفصل الذي استمر 25 دقيقة من وقت الفيلم، إلا في وقت لاحق من الفصول المقبلة.
في الفصل الثاني الذي يحمل عنوان (الملاعين المسلحون)، يقدم إلينا تارانتينو مجموعة أولاد الحرام المشينون، وهم يهود أميركيون، جاؤوا لفرنسا المحتلة من اجل ارتكاب جرائم ضد النازية، يقودهم أميركي غير يهودي الكابتن (الدو رين ـ براد بيت)، الذي يقدم أسوأ أدواره، وتكون مهمة هذه المجموعة هي إلقاء القبض على النازيين وضربهم حتى الموت بمضرب بيسبول (دوني) ثم جزت رؤوسهم بخنجر (الدب اليهودي) وتعليم جباههم بالصليب المعقوف، شعار النازية في محاولة لإغضاب هتلر، واستعراض لمقدرة اليهود على أن يكونوا مصدر رعب وخوف لجنود النازية.
ويأتي الفصل الثالث الذي يحمل عنوان (ليلة ألمانية في باريس ـ 1944)، حيث يتبنى تارانتينو فكرة الانتقام التي تقوم بها العصابة هذه، وتصل لعبة الانتقام ذروتها في الفصول المقبلة التي تدور بين عام 1944 والإنزال البحري وتحرير باريس، وفي هذه الفترة يقرر النازيون عرض فيلم قومي لقناصة ألماني تحت عنوان (مفخرة الوطن)، في دار عرض تملكها (شوسانا دايفوس ـ ميلاني لورين).
وهي الفتاة الوحيدة الناجية من عائلة المزارع في الفصل الأول، وتكون فرصة وجود القيادة العليا الألمانية في صالة السينما مناسبة لن تتكرر لتدمير القيادة كلها خاصة هتلر ومدير دعايته غوبلز، في الوقت نفسه تقرر بريطانيا إرسال ناقد سينمائي بريطاني (ميخائيل فاسبندر) مطلع على سينما الحرب والدعاية الألمانية للمساهمة في تدمير القيادة الألمانية والتعاون مع الأولاد الملاعين، فيما ترى اليهودية شوسانا الفرصة سانحة أمامها للانتقام من الألمان، وتدبر مع مساعدها الأسود عملية حرق السينما في فصل رابع يحمل عنوان (عملية دار السينما).
وفي الفصل الخامس الذي يأتي بعنوان (انتقام الوجه العميق)، تبدو الحبكة مبعثرة مع حشو تفاصيل لا أهمية لها مثل حكاية الممثلة الألمانية المعروفة (بريجيت فون هامرسمارك ـ ديان كروغر)، التي تقوم بدور العميل المزدوج وتلقى نهايتها على يد (هانز لاندا) قبل افتتاح فيلم (مفخرة الوطن)، وتؤكد مشاهد النهاية للفيلم في لقطاتها وحواراتها الطويلة تمرير فكرة أن من يعشق شيئا وهو لا يستحقه يجب أن يحرق به، فغوبلز وأمثاله ممن يعبدون السينما مصيرهم الموت حرقا بأشرطة الأفلام المصنوعة من مواد كيماوية قابلة للاشتعال، وحتى المشهد الأخير عندما باع (هانز لاندا) نفسه لفرقة الملاعين الأوغاد مقابل بيت في أميركا، جاء خاليا من المفاجأة والتوتر التي يتوقعها المشاهد في أفلام تارانتينو، رغم تعرض لاندا لجز رأسه في النهاية وطبع بالدم على جبهته رمز الصليب المعقوف.
ورغم معرفة الجميع بأن شخصيات هذا الفيلم مصطنعة، لا حق لها في التاريخ أو في مخيلته، بيد أن التفكير باختيار كوينتين تارانتينو المثير للقيل والقال لطرح موضوع من هذا النوع وفي الألفية الثالثة إخراجا وكتابة، تؤكد سياسة الاستهداف الدعائي (الهولوكوست) لجيل جديد يجبر على الإذعان لسب جريمة النازي إلى أبد الآبدين، وهي أعمال تبدعها أيادي أميركية بأموال اليهود.
دبي - أسامة عسل

