احتلت أغاني الأطفال على مدى العصور قيمة إبداعية وجمالية، فمن خلالها نستطيع إرسال رسالة للطفل، وتوجيهه للأفعال الصحيحة، وتقديم معان وأفكار خلاقة، فارتبطت كلماتها وألحانها بالبراءة والشقاوة، لكن للأسف نجاح الأغاني المقدمة للأطفال، وخصوصاً أغاني الجيل القديم، أغرى الكثير من المطربين والمطربات بتقديم هذا النوع، الأمر الذي جعل الساحة الغنائية في وقت ما أشبه ما يكون بحضانة، وتحولت بعض المطربات إلى جليسات أطفال.
كانت تجربة الفنان إيمان البحر درويش في عالم الغناء للأطفال ناجحة، حيث قدم أغنيتيه (في البحر سمكة)، (يا وابور يا مولع)، وتميزت أغانيه بإدخال البيئة المحيطة به، والقيم الطبيعة وقصص الحيوانات في كلمات أغانيه بشكل كبير، لتسطو بعد ذلك الأوبريتات الغنائية التي ارتبطت ببرامج الأطفال في التلفزيون، والتي اتجه لكتابتها صلاح جاهين مثل (إبريق الشاي)، (صحصح لما ينجح). وتدخل في هذا الإطار بعض محاولات ليلى نظمي مثل (جوايز للشطار)، (إشارة مرور)، بينما تعد الفنانة صفاء أبو السعود أكثر من تميز في هذا المجال، خصوصاً أنها كانت تحاول إظهار جانب تربوي من خلال ما تقدمه من أوبريتات وأغانٍ للأطفال، فكانت أعياد الطفولة في الماضي مرتبطة بظهور صفاء أبو السعود على المسرح وغناء (ياصحابي وصحباتي)، و(السبع سبعات) والكثير من الأغاني الجميلة التي لانزال نرددها حتى اليوم.
طيور النورس
تجربة الفنانة عفاف راضي وسيد حجاب والموسيقار عمار الشريعي مع الأطفال تعد من أنجح التجارب لما تحمل من بصمة قوية في أذهان الجمهور، حيث كانت أغنية (سوسة سوسة) من أكثر أغاني الأطفال شهرة، كذلك (يلا بينا)، و(شمس الشموسة)، و(تاتا تاتا) التي كانت الأمهات يرددنها لأطفالهن الصغار، أما الفنان محمد ثروت فقد قدم مجموعة كبيرة من الأغاني ذات القيمة والمعاني والقيم الجميلة مثل (جدو علي) و(بسم الله بسم الله أحلى كلام اتعلمناه) و(أنا نفسي أكون بحار) و(طيور النورس)، (حبيبة بابا)، وكلها أغان لاقت حب وإعجاب الأطفال، ولاتزال عالقة في أذهان الكثيرين.
يقول الفنان محمد ثروت: هناك كثير من الأغاني لا تناسب الطفل، خصوصاً تلك التي لا تحمل أي قيمة، ويتم تصويرها بالفيديو كليب بشكل لا يناسب الطفل، موضحاً أن كل الأغاني التي تقدم للطفل ليست كلها سيئة، لكن بعضها لا يتناسب مع عمر الطفل، موضحاً أن أغنية (يابنيه) لكاظم الساهر من الأغاني المناسبة للأطفال، حيث نجد فيها فكرة ومضموناً، ويرجح ثروت اتجاه المطربين لأغاني الأطفال إلى حالة الملل الموجودة بالمجتمع؛ فالمطرب يريد أن يكون حاضراً فقد؛ سواء في الغناء للأطفال أو في الغناء الديني أو الكبار.
بابا فين
من ألبومات الأطفال الناجحة والتي غناها الأطفال بأصواتهم ألبوم (فري بابي) الذي حقق نجاحا منقطع النظير في سوق الكاسيت في مصر، لأنه، على حسب آراء النقاد والمستمعين، حقق المعادلة الصعبة في الجمع بين الكلمة الشقية واللحن الأخاذ الذي يناسب الطفل ويعبر عن شقاوته وبراءته في آن واحد، خاصة أغنية (بابا فين) التي قام بغنائها مجموعة من الأطفال بمعهد الكونسرفتوار، وتم تصويرها بشكل طريف، الأغنية من كلمات الشاعر والمطرب مصطفى كامل، الذي استلهم كلماتها من ابنه، يقول: في يوم كنت مستيقظا من النوم، ورن تليفون المنزل،.
وإذ بابني فتحي يخطف سماعة التليفون، ويرد بكلمات غير مرتبة كانت (ألو..عمو مين..مين يكلموا)، فضحكت وأخذت السماعة من ابني فتحي، وتبادلت الضحك مع الطرف الآخر، وقتها كان المنتج يطلبني من الأستوديو، وقبل أن أنهي مكالمتي قررت أن اكتب حوار ابني فتحي في أغنية، وجاءت باسم (بابا فين)، وعندما كتبتها أيقنت أن كل الأطفال، خصوصاً الذين في مهد شقاوتهم يتعاملون هكذا مع الأشياء، ووجدت أنها ستحقق نجاحا ورواجا كبيرين.
كارت شحن
التجربة اللبنانية تعد الأكثر حضوراً في الاعوام الثلاثة الأخيرة، فقد حاول بعض المطربات اللبنانيات شق طريقهن في هذا المجال مثل هيفاء وهبي ورلا سعد، ولكن تبقى الفنانة نانسي عجرم أفضل من غنوا للطفل من خلال ألبوم (شخبط شخابيط)، الذي يحمل معاني تربوية للطفل مع إدخال بعض القضايا المعاصرة التي تشغل الأطفال مثل (الرغي) في المحمول من خلال أغنية (كارت شحن)، (لو سمحت يامامي) و(رسالة إلى العالم)، وعن تجربتها في الغناء للأطفال توضح نانسي عجرم أنها لم تغن للأطفال بحثا عن الشهرة، أو من أجل المال، ولكن لأنها تشعر بسعادة غامرة، وهي ترى ابتسامة بريئة على وجه طفل، مضيفة أنه يجب علينا كفنانين أن نسهم في رفع المعاناة عن كاهل الأطفال، خصوصاً اليتامى والمعاقين، الذين يحتاجون إلى حقهم في الحياة بعيداً عن الصراعات والحروب.
وفي ظل هذه الموجة الهائلة من أغاني الأطفال يقول الموسيقار حلمي بكر: الغناء للأطفال حاليا أصبح نصبا باسم الأطفال وتهريجا، فجأة تحولت الساحة الفنية إلى حضانة وكل مطرب يعلق ببرونة على صدره، مضيفاً: أنا أتحدى أن يكون واحد من المطربين الذين يقومون بالغناء للطفل له علاقة بالطفل، لأن كل ما يعنيهم المكسب فقط، وعندما قامت نانسي عجرم بغناء (شخبط شخابيط)، جرى الكل وراءها، واتجهوا للغناء للطفل، وأصبحت موضة، كما كانت موضة الغناء من قبل أساسها الفيديو كليب العاري، كما كانت هناك موضة أخرى للغناء للخضار والعنب.

