حين غنت فيروز «كان غير شكل الزيتون.. كان غير شكل الصابون..»، أعادتنا إلى ذكريات أمهاتنا حين كن يحتفظن بالصابون المصنوع يدوياً بروائحه العشبية العطرة، وملمسه الزيتي الذي يشي بمواده الطبيعية الجميلة، «الحواس الخمس» التقى الشاب اللبناني أمير بدر حسون، مدير مصنع «خان الصابون»، لنتعرف أكثر إلى أسرار هذه الصناعة كيف كانت وإلى أين آلت.
أصبحت الإعلانات اليوم تشوش على اختيارات النساء، فيقبلن على مستحضرات تنظيف البشرة الخالية من الصابون، واقتنعن بأن ما يأتي من الغرب هو الأفضل والأجدى.وفي المقابل يصر الشاب اللبناني أمير بدر حسون، مدير مصنع «خان الصابون»، على أن هذا النوع من المنظفات يكون مضرا بالبشرة، وهو يؤدي إلى تحسس وأمراض جلدية، لأن مكوناته تتكون من مواد كيميائية مصنعة يحذر منها الاختصاصيون، وللأسف تهتم معظم النساء العربيات بالماركات العالمية بغض النظر عن معرفة مكونات مستحضراتها، بينما تتجه الغربيات إلى صناعة التجميل الشرقية، لأنهن يدركن أنها تعتمد على المواد الطبيعية.
هل هناك صناعة تجميل في العالم العربي؟
بالتأكيد؛ فصناعة الجمال والاهتمام بالبشرة موجودة ومعروفة منذ ايام ادونيس وعشتروت، فقد ازدهرت طرابلس منذ اكثر من الف عام في فن صناعة الصابون، ويقال إن هذه المدينة أول من بدأ هذه الصناعة، حيث اشتهرت صناعة الصابون مستفيدة من الثراء الطبيعي الذي توفره المنطقة وغناها بغابات الزيتون التي تشكل المادة الأساسية في صناعة الصابون.
لكن صناعة الصابون لا تعني بالضرورة صناعة الجمال، كيف يمكن تعميم هذا المفهوم على صناعة مستحضر تنظيف؟
صناعة الصابون صناعة واسعة لا تقتصر على موضوع النظافة الخارجية فقد تعدتها إلى قضايا العناية بالصحة الخارجية والجمال، فقد عرفت إنجازات الحرفيين الحكماء في طرابلس في هذا المجال، ونشأ سوق جديد عرف بسوق «الحكماء» لايزال قائما حتى يومنا هذا، وهو يعرف بالمدينة بأنه سوق العطارين لأن المتخصصين في السوق يتعاطون مع العلاج بالأعشاب وتقديم مستحضرات عشبية لحماية وعلاج البشرة، فقد كان اهتمامهم منصباً على العناية بالجمال الخارجي.
هل يعني هذا أن تلك الصناعة موجودة حتى اليوم، ومعتمدة على الأعشاب الطبيعية فقط؟
بالتأكيد فتلك الصناعة كانت ولاتزال تديرها العوائل الطرابلسية، حيث تشكل مصدر رزق لها، ولمن يعمل معها، وعائلتي من العوائل التي تمارس هذه الصناعة منذ أكثر من خمسمائة عام، وقد توارثنا تلك الصناعة من آبائنا وأجدادنا معتمدين على أمرين مهمين هما الاحتراف ومعرفة دقائق وأسرار تلك الصناعة، والمواد الطبيعية من الاعشاب والنباتات الأمر الذي جعل الاسر التي تمارس تلك الصناعة تهتم كذلك بامتلاك مزارع للزيتون والليمون، إضافة إلى زراعة الأعشاب التي تشتهر بها لبنان، وتمثل أساسا مهما في صناعة المستحضرات التجميلية المختلفة.
إذن ما المشكلة التي تواجه صناعة الصابون ومستحضرات التجميل في لبنان، ولماذا تحول الاهتمام إلى المنتجات الأجنبية؟
في منتصف القرن التاسع عشر، ظهر ما سُمي بالثورة الصناعية، وبدأت الآلة تأخذ مكان اليد العاملة، الأمر الذي مثل مجزرة ضربت صناعتنا المزدهرة آنذاك، وكان ذلك على حساب الطبيعة والإنسان، فأنشأت المعامل الضخمة وظهرت الماكينات الحديثة، واستبدلت أيدي العمال التي كانت تستخدم في قطف الزهور والأعشاب وغيرها من خيرات الطبيعة بمكائن اقل كلفة وأكثر إنتاجاً.
وشعرت العائلات أنها اصبحت دون عمل او في اسوأ الحالات إذا ارادوا متابعة اعمالهم؛ ففسح المجال امامهم ليكونوا عمالاً بعد ان كانوا اسياداً، وبدأت مكونات الانتاج التجاري تسبب الكثير من المشكلات في جسم الانسان مثل تساقط الشعر وزيادة القشرة وجفاف الجلد والتشقق نتيجة الامراض الجلدية التي اخذت بالانتشار مثل الاكزيما الصدفية وغيرها من المشكلات التي لم يكن يعرفها آباؤنا واجدادنا من قبل. وهكذا اخذت صنعة الصابون تنحسر وتتقهقر امام جبروت الآلة الحديثة، وبدأت العائلات المنتجة تختفي شيئا فشيئا حتى العام 1985، حيث اختفت تلك المستحضرات من السوق بالكامل.
وكيف استعادت تلك الصناعة حضورها؟
كانت عائلتي قد تحولت إلى صناعة الذهب، لكن موقفاً محزناً أعاد جدي إلى تلك الصناعة بعد أن اقتصرت على ما تصنعه نساء الأسرة لاستخداماتهن الشخصية، إذ سرق محترف جدي كل ما يحتويه من ذهب وأموال وممتلكات الأمر الذي صدمه وأعاده إلى مزرعته وقراءاته، وارتسمت امام ذهن بدر حسون خيارات عدة منها انه اختار ليكون عمله بعدما خسر كل شيء ان يحضر لإقامة مصح رياضي للعلاج والعناية بالجمال والصحة الخارجية بالرياضة والأعشاب والعطور، ونصحه أحد الأقارب بالعودة إلى صناعة الصابون فعاد ليدون أسرار تلك الصناعة المتوارثة من الاسرة.
وبدأ مع أفراد عائلته بصناعة مئة صابونة تم عرضها لمعرفة رد فعل الناس، فكان الاقبال عليها شديدا إذا عاد الصابون الذي عرفه الناس ووثقوا به، وبدأ العمل ينمو وتمت الاستعانة بالحرفيين ليستعيد «خان الصابون» في طرابلس مجده وقوته.
وأعطيت الفرصة للعديد من السيدات في الشمال لكي يسهمن في العمل وهن في منازلهن.
كيف تقيم مستحضراتكم اليوم؟
لست أنا من يقيمها بل اقبال الناس عليها وحصولنا على شهادات عالمية بالجودة، إضافة إلى أن منتجاتنا منتشرة في دول أوروبا وأميركا ما يعني نجاحنا في تقديم خبرة السنوات الطويلة ضمن ضوابط الجودة العالمية، وقد لاحظت أن نساء الغرب أكثر اقبالاً على منتجاتنا لأنهن يبحثن عن المستحضرات الطبيعة الخالية من المواد الكيميائية.
كما أكد أمير بدر حسون أن بعض كريمات البشرة التي يصنعها «خان الصابون» يمكن للانسان أكلها من دون أي ضرر، وقدم دليلا على الأمر بأن قام بتذوق مجموعة من الكريمات أمام أعيننا، مشيرا إلى أن تلك الكريمات مصنوعة من مواد طبيعة تماما أهمها العسل وزيت الزيتون والزهور والاعشاب، وهي جميعها مواد غير ضارة تعمل على تحسين البشرة والتخفيف من مشكلاتها وتعيد نضارتها وتألقها.
دبي- دلال جويد

