مع بداية الستينيات أخذت أفلام الخيال العلمي طريقها إلى قلب وعقل جمهور السينما، وتنافس كبار مخرجي السينما في هوليوود أمثال ستيفن سبيلبرغ ومايكل باي وجيمس كاميرون على التعامل معها وتحقيقها، وتنفيذها بأسلوب أقرب إلى مزج الخيال بالواقع، ويسجل لفيلم «أوديسا الفضاء 2001» للمخرج ستانلي كويبرك البداية الفعلية أمام موجة هذه الأفلام التي تسيدت السينما في السنوات الأخيرة.

وتعود أفلام الخيال العلمي مرة أخرى لتحتل الصدارة في صناعة السينما الأميركية عام 2009، من خلال فيلم «ديستريكت 9 ـ المقاطعة 9» الذي يعرض حاليا في صالات السينما المحلية بعد تصدره الإيرادات في أميركا الشمالية.حيث حصد 38 مليون دولار أميركي في فترة ثلاثة أيام من بداية عرضه، وهو مأخوذ عن فيلم قصير لمخرج الفيلم نفسه «نيل بلومكامب» بعنوان «الحياة في غوبيرغ»، كان يتحدث فيه عن مرحلة التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا، خلال فترة الستينيات من القرن الماضي، ولم تتجاوز تكاليف إنتاج الفيلم الجديد مبلغ 30 مليون دولار، وحقق حتى الآن 111 مليون دولار.

تتناول أحداث الفيلم قصة كائنات طيبة ومسالمة من الفضاء الخارجي أجبرت على العيش في كوكب الأرض، في ظروف بائسة تشبه تلك التي يعيشها سكان الأحياء الفقيرة، وفي مجتمع يعتمد الفصل العنصري بين البشر وبين هذه المخلوقات، وخلال اللقطات الأولى للفيلم يستعرض هبوط سفينة فضائية ضخمة في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا عام 1982، وعلى متنها مجموعة ضخمة من المخلوقات الفضائية، وتقوم الحكومة بمحاصرة هذه المخلوقات وتضييق الخناق حولها لتعيش في مخيم أطلقوا عليه اسم «المقاطعة 9».

وتبدأ أحداث الفيلم بعد عشرين عاما على نزول هذه الكائنات إلى الأرض، ويصورهم بأسلوب أقرب إلى التسجيلي بكاميرا محمولة ومقابلات صحافية وأخبار مصورة، وكأنهم شعب مهاجر حط رحاله في هذه الأرض طالبين حق اللجوء، ومع الوقت أخذت هذه المخلوقات تتعايش مع البشر، ويذهب الأمر أبعد من ذلك عندما تقوم شركة تدعي «الشركة المتحدة متعددة الجنسيات» بتوظيفهم كعمال بدون أجر وكأنهم عبيد لها، فيقوم واحد منهم بنشر هذه الحقائق على شبكة الإنترنت ليفضح هذه التفرقة للعالم أجمع.

يعتمد فيلم «المقاطعة 9» على التقنيات الحديثة الهائلة، والمؤثرات البصرية التي تلعب دورا أساسيا في انجازها، ومن خلال مزج الخيال بالواقع، تبدو الأحداث أكثر تعبيرا عن قصة الفصل العنصري، وتأثيرها على الكائنات الفضائية التي تشعر بفداحة ما يرتكبه الإنسان في حق نفسه والآخرين، ويقوم ببطولة الفيلم كلا من شارلتو كوبلي وجاسون كوب وناتالي بولت وسيلفاين سترايك وإليزابيث ماكندوي وجون سومر وولين إلين يانج وجريج ملفيل سميث ونيك بلاك.

وقد استقبل النقاد الفيلم بحفاوة بالغة ـ حسب موقع روتن توماتوس ـ فمن أصل 220 تحقيقا وتحليلا صحافيا، حصل الفيلم على رضا 90% من النقاد والصحافيين، ووصفوا الفيلم بالعبقري فهو يحتوي على كل عناصر فيلم الخيال العلمي الكلاسيكي حسب اعتقادهم من تشويق وترفيه وخيال، ووصفت الناقدة «ساره فيلكميرسون» الفيلم بأنه من أكثر أفلام الخيال العلمي إمتاعا في السنوات الأخيرة، وأهم أفلام هذا الصيف، وأفضل فيلم تم إنتاجه هذا العام، أما الناقدة «كريستي ليمير» فهي أيضا مأخوذة بمضمون الفيلم وحبكته، وقالت رغم أنه ينتمي لنوع الخيال العلمي فإنه يحتوي على دراما الشخصيات، واختبار لقدرة الإنسان على الحفاظ على هويته حتى في أحلك الظروف.

وبالفعل ندعو المشاهد لرؤية هذا العمل الذي تمت معالجته بأسلوب جذاب وممتع، ويقدم خلطة تجمع المزيج المدهش لأبطاله من بشر ومخلوقات فضائية، وقصصهم المختلفة ورؤية مخرجه «نيل بلومكامب» الناضجة حول قضايا التفرقة العنصرية.

دبي - أسامة عسل