كثيراً ما نسمع عن كوافير الرجال أو النساء؛ لكن أن يكون هناك كوافير خاص بالخيول فالأمر يبدو غريباً، وقد يكون أكثر غرابة عندما تعرف أن حارة بأكملها في حي السبتية بوسط القاهرة يطلق عليها «حارة القصاصين».

وعلى الرغم من أن هذه الحارة تحظى بشهرة واسعة في هذا المجال منذ عشرات السنين؛ إلا إنك بزيارة واحدة لها تدرك أن أصحاب المهنة آخذين في الاندثار، ولم يبقَ منهم إلا القليل الذي لا يزال صامداً. (الحواس الخمس) التقى واحداً من هذا القليل وحاوره حول هذه المهنة الغريبة. الحاج عبدالله رمضان الذي لا يزال محافظاً على مهنة آبائه وأجداده حتى أصبح أشهر كوافير للخيول في مصر، وعلى عكس ما هو متوقع يقول عبدالله إن مهنته لم تفقد بريقها، ولم تستطع الآلات الحديثة أو التكنولوجيا المتقدمة القضاء عليها؛ حيث لا يزال يقوم بلمساته الساحرة على الخيول والتي تعجز أمامها أي آلة حديثة.

احتراف... وعلى الرغم من أن أشهر كوافير للخيول لا يتذكر ما الذي دفعه إلى احتراف هذه المهنة، لكنه- على حسب تعبيره- أحبها إلى الدرجة التي جعلته يسمح لأخيه وابنه تعلم أصولها؛ قائلاً: «العمل في كوافير الخيول ممتع، ولا أستطيع العمل في أي مهنة سواها». يعترف عبدالله أنه ينظر إلى «كوافير الخيول» كهواية قبل أن تكون مصدراً للرزق يجني من ورائها الكوافير أجوراً متفاوتة حسب نوعيات الزبائن، موضحاً أن كبار تجار الخيول يلجأون إليه لتحليتها في عيون الزبائن أو المشاهدين في سباقات الخيول. ومن واقع ممارسته لهذه المهنة، على مدار 20 عاماً، يقول إن أفضل التسريحات والقصات تكون من نصيب الخيول الأصيلة التي تشترك في المسابقات العالمية، وتليها الأنواع التي يخصصها أصحابها لممارسة رياضة الفروسية، وهؤلاء يكون هواة على علاقة جيدة بفن الخيل.

وتأتي الخيول المخصصة للجر في المرتبة الثالثة، خصوصاً أن أصحابها «عربجية» وهي الطبقات الدنيا الكادحة في المجتمعات المختلفة، وهؤلاء- كما يقول كوافير الخيول- لا يهتمون بقص شعر الحصان؛ إلا بغرض إزالة شعره الكثيف الذي يصيبه بالهبوط والتعرق، وليس لتزيينه أو إظهار الشكل الجمالي والأصالة. وبعيداً عن الأنواع الثلاثة لزبائن الخيول يلفت عبدالله إلى أن تسريحات حواء في الأصل مستمدة من تسريحات الخيول وجمال شعرها، وإن كان أشهرها تسريحة «ديل الحصان». وحول خطوات الحلاقة للحصان والأدوات المستخدمة، يقول كوافير الخيول: إنه يحدد أولاً مدة الحلاقة للحصان، لافتاً إلى أن هذه المدة تتفاوت حسب رد فعل الحصان أو نوعية القصة التي يحتاجها صاحبها؛ فكلما كان الحصان هادئاً يمكن الانتهاء من حلاقة الرأس والجسد في 20 دقيقة إلى نصف ساعة؛ لكن في حالة لجوئه إلى العنف وتوتره وقيامه بالرفس.

وأحياناً العض فإن ذلك يعني امتداد وصلة الحلاقة إلى أكثر من ساعة وأكثر من المعاناة، لكنها في النهاية صعوبات المهنة التي تعودت عليها، غير أنه في حالة هدوء الحصان وتعاونه الإيجابي تتحول الحلاقة عنده إلى متعة لا تنتهي.

يستعين كوافير الخيول- كما يقول- بخشبة صغيرة أو عصى، ويتم وضعها عرضياً في فم الحصان، وبشكل خاص بين أسنانه؛ كي يتحاشى العض طوال عملية الحلاقة، بينما يتم ربط قدمي الحصان الخلفيتين بإحدى قدميه الأماميتين حتى لا يستطيع الرفس.

ويشير إلى أن الأدوات التي يستخدمها في إتقان عمله بسيطة للغاية فهي عبارة عن ماكينة تختلف عن مثيلاتها البشرية بأنها أطول قليلاً، فضلاً عن مقص يشبه مقص أشجار الفاكهة، وبعض الأمشاط الخاصة والشامبوهات للاعتناء بالشعر بعد الحلاقة مباشرة.

وعن طريقة العمل يقول كوافير الخيول إنه يبدأ بالماكينة أولاً على الجسد طولاً وعرضاً انتهاءً بالرأس، حيث لا يقترب من الشعر الطويل الذي يغطي مقدمة الرأس والمنطقة العليا في الرقبة «أعلى الرقبة»؛ ثم تبدأ المرحلة الثانية وهي تهذيب الرقبة والذيل حسب «الفورمات» الموجودة عنده من واقع الصور التي التقطها للخيول بعد إنجازه العمل، حيث يختار صاحب الحصان إحدى الصور، ويتم تنفيذها بدقة متناهية.

لكن الكثير من الزبائن، كما يلفت عبدالله، يتفننون في طلب نقوش معينة على جسد خيولهم، حيث تلقى رواجاً كبيراً بالفعل حتى تحولت إلى موضة اجتاحت عالم الخيول وبات الطلب عليها جماهيرياً، ومن أشهرها نقش «الأهرامات الثلاثة» ونقش «السمكة»، و«النجوم»، لافتاً إلى أن كل يوم تواكبه موضة جديدة ونقشاً مميزاً، حيث يختار صاحب الحصان نوعية الحلاقة وأسلوب تهذيب الذيل وشعر مقدمة الرأس والرقبة حسب العلاقة بينه وجواده ليعمل على تدليله وإسعاده وجعل منظره مقبولاً.

وعن الخيول التي يستخدمها أصحابها في جر العربات الكارو أو مساعدة الفلاحين في إنجاز أعمالهم الحقلية يؤكد كوافير الخيول أن طلبات هؤلاء تكون متفاوتة وتتمثل جميعها في القص فقط دون مراعاة لتهذيب أو غيره.

حيث يتم حلاقة شعر الحصان مرتين إحداهما صيفاً والأخرى شتاءً، وتعتمد الأولى على عدم التصاق العرق عند بذل مجهود وإصابته بأمراض جلدية كالبثور والدمامل وغيرها، أما الثانية والتي تجرى في فصل الشتاء فتهدف إلى تنشيط الدورة الدموية مع مراعاة القص الجيد والمتميز في شعر العرف والذيل، خصوصاً أنهما يلعبان دوراً مهماً في طرد الحشرات «الذباب والناموس» المزعجة؛ بالإضافة إلى منع البرد عن أجزاء الجسم المختلفة.

وفيما يتعلق بأسعار الحلاقة، قال إنها تختلف بالطبع من حصان إلى آخر؛ لكن متوسط سعر القصة الواحدة يصل إلى 25 جنيهاً، علاوة على ثمن الورنيش والشامبو والكريمات المخصصة بعد الحلاقة.

طريقة التصفيف

وبخصوص الطريقة المثلى لتسريح شعر الحصان وتمشيط ذيله والعناية به يؤكد كوافير الخيول أنه لا بد من استخدام ماء فاتر حرارته تتراوح بين 30 و35 درجة مع الصابون الذي لا يسبب حساسية، ثم غسل الخيول جيداً وتنشيفها بفوطة نظيفة على أن تراعى درجة حرارة الجو.

وبعد الانتهاء يجب تجنيبها البرد والتيارات الهوائية حتى لا تتعرض للمرض، وفي المرحلة الثانية يتم استخدام الأصابع في التصفيف والفصل بين الشعر ابتداء من الأعلى إلى الأسفل قبل تمشيط العرف بالمشط أو الفرشاة من خلال تبليلها لتحفظ الشعر في مكانه في مظهر جميل وتألق يسر الناظرين.