الإسمنت مادة رمادية باهتة تحكم جوانب عدة من حياتنا، حيث تنتشر الكتل الإسمنتية لتحاصر قرانا ومدننا القديمة، لتقضي على التراث المعماري العريق، وتخلّف تلوّثا بصريا لا يمكن إزالته بسهولة. ولكن، أليس ثمة وجوه أخرى لهذه المادة، التي ألفناها في البناء، ولم نجربها في مجالات أخرى؟

هذا السؤال يجيب عنه الفنان السوري مهند ديب، عبر ورشة عمل (مجانية) أقامها مع عدد من الفنانين من جنسيات مختلفة، ونتج عنها معرض بعنوان (الإسمنت في التشكيل).

يقول ديب:أعيش في منطقة قديمة (سوق ساروجة) يتقدم فيها الإسمنت رويدا رويدا، وبعد عدة سنوات سيقضي الإسمنت على منطقة دمشق القديمة التي يبلغ عمر بيوتها أكثر من 800 عام، والمشروع هو مجرد إضاءة على هذه المشكلة التي نتأثر بها بشكل أو بآخر، عبر مجموعة من الأعمال الفنية لفنانين تشكيلين وهواة ومهن أخرى.

وضمت الورشة التي استمرت لشهرين أكثر من مئة وأربعين مشاركاً، ينتمون لاختصاصات مختلفة كالطب والصيدلة والتشكيل، أسهموا في الورشة التي أقامها ديب، وأرادوا تقديم وجهات نظر متباينة حول الإسمنت، فجاءت أعمالهم مختلفة كاختلاف انتماءاتهم.

ويؤكد ديب أن المعرض هو مجرد وجهات النظر ونحن ليس لدينا حلول. وظيفتنا هي تسليط الضوء على هذه المشكلة.

ويضف: هناك أعمال جمّلت الإسمنت، من خلال التخلص من لونه الرمادي، أي أنها رفضت الإسمنت كلون وشكل ووجود في المنطقة، وهناك أعمال أظهرت بشاعته أكثر، وثمة أعمال أخرى حاولت أن تبحث في طبيعة الخامة (خامة الإسمنت) التي من الممكن أن نستفيد من جماليتها التي لا يتعاطى معها البناء، أي أنها بحثت عن القيم الجمالية والطاقة في المادة.

وتأتي أهمية المعرض كونه يستخدم للمرة الأولى مادة الإسمنت في تشكيل لوحات فنية، فيما استخدمتها بقية الفنون بطريقة واحدة (سكب بالقوالب)، ويشير ديب إلى أن هذه الطريقة (التشكيل المباشر) تسهم في توفير الوقت والمال، وتعطي حرية في التعامل مع المادة (الإسمنت) لأنها قادرة على أن تحوي مواد ثانية، وهذا غير متوافر في المواد الأخرى.

ويرفض ديب الذي يمارس الفن منذ 13 عاما مقولة (الفن لأجل الفن)، ويؤكد أن الفن يجب أن يلامس حياة الناس وهمومهم، مشيرا إلى أنه في معرضه الأخير نجح إلى حد كبير في تجسيد هذه الفكرة.

ويضيف: الفن موجود في المجتمعات منذ بداية التاريخ الفن، وكان مرتبطا بالناس ومهمته توثيق حياتهم بالدرجة الأولى، ونستطيع أن نلاحظ ذلك من خلال الرسومات على جدران الكهوف، وفي هذا المعرض أردت تقديم فن يلامس الناس لأني ضد فكرة (الفن للفن) أو الفن للصالونات الفنية أو للشخص القادر على أن يقتني فنا.