توافد العديد من المطربين العرب لزيارة مصر لتفتح لهم أبواب الشهرة والنجاح وتحتضنهم وسائل الإعلام وكبار الشعراء والملحنين ويشاركوا في حفلات أضواء المدينة وليالي التلفزيون ويستمر بقاؤهم في مصر التي يعتبرونها بلدهم الثاني.
تكاد تكون عزيزة جلال أول مطربة عربية تسبقها حلاوة صوتها إلى مصر عندما نشرت بعض الصحف المغربية والعربية اشتراكها لأول مرة في إحياء حفل عيد جلوس الملك الحسن الثاني، وغنت فيه أغنية «ليالي الأنس في فينا» للمطربة الكبيرة أسمهان، وكان عمرها في ذلك الوقت لا يتجاوز العشرين عاما على مسرح الملك محمد الخامس أكبر مسارح المغرب، واستحسن الملك الحسن صوتها، ونصحها بعض المسؤولين عن الموسيقى والغناء المصريين بضرورة أن تسافر على القاهرة لتشق طريقها للغناء من هناك. وتشاء الظروف أن تعلم بحلاوة صوتها إحدى شركات الإنتاج الغنائي، ليوجه إليها دعوة على الفور لإحياء حفل افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي، وعرض عليها أن تبقى بالقاهرة فترة أخرى تلتقي خلالها بكبار الشعراء والملحنين للاتفاق على أغنيات جديدة تنتجها الشركة أيضا بعد الانتهاء من الحفل ووافقت على الفكرة، ولم يكن أمام سعد الدين وهبه وصاحب الشركة سوى اقناع الكاتب الكبير مأمون الشناوي بكتابة كلمات أول أغنية تغنيها في مصر.
ورحب مأمون بهذا العرض بعد أن كان قد استمع إلى صوتها من شريط حفل المغرب وزاد قناعته بها بعد أن علم بأن الحفل الذي ستغني فيه سيذاع على الهواء مباشرة ويحضره كبار النقاد والصحافيين والشخصيات العامة، ليصبح الثنائي مأمون الشناوي ومحمد الموجي الفارسين الكبيرين اللذين ستتغنى بأغنيتهما عزيزة جلال، لتكون القاهرة بداية انطلاقتها إلى عالم الشهرة والنجاح، ولكن سرعان ما تعتزل عزيزة جلال الغناء إرضاء لرغبة زوجها.
نور الصباح
وصلت الفنانة صباح إلى مصر برفقه والدها، وفي مقهى في شارع فؤاد الأول ولد اسمها الفني «صباح» أطلقه عليها الشاعر صالح جودت، لأن وجهها كان مشرقا كنور الصباح، وتردد أن آسيا نشرت صور لجانيت في مجلة «الصباح المصرية» طالبة من القراء اختيار اسم فني للوجه السينمائي الجديد فكان الاجماع على «صباح»، أحضرت أسيا كبار الملحنين للاستماع لصباح وإبداء رأيهم في صوتها.
فكان هناك إجماع على أن صوتها غير مكتمل المعالم، إلا أن المخرج هنري بركات وجدها صالحة للتمثيل السينمائي نظرا لخفه ظلها، عام 1943 ظهرت صباح في «القلب له واحد» أول فيلم لها مع أنور وجدي وغنت فيه أغنيات من ألحان رياض السنباطي وزكريا أحمد، لم تبشر بداية صباح في فيلم «القلب له واحد» .
حيث كان صوتها غير ناضج وقدرتها على غناء الألحان المصرية محدودة، لتتجه صباح إلى الأغاني الخفيفة التي تلحن بسرعة وتؤدى بسرعة ويسمعها الناس بسرعة وينسوها بسرعة، وسماها بعض النقاد في ذلك العهد «مطربة السندوتش»، وعقب الحرب العالمية الثانية انقلبت صباح بأغانيها من مطربة مرحة إلى مطربة حزينة وكشفت قدرات صوتها، ما لبثت صباح أن صارت فتاة أحلام الشباب، وارتفعت أسهمها في مصر ولبنان وتوالت بطولاتها السينمائية لتبلغ حوالي 85 فيلما مع كبار الممثلين، من بينهم رشدي أباظة، أحمد مظهر.
عاشقة مصر
لم تكن صباح المطربة اللبنانية الوحيدة التي عرفت في مصر بل كانت هناك الفنانة نجاح سلام أيضا، والتي شاركت في تقديم الأغنية العاطفية الوطنية وشاركت في عدد قليل من الأفلام السينمائية، وفي العام 1956 كان العدوان الثلاثي على القاهرة، وكانت قد تعرفت على الملحن محمد الموجي وكمال الطويل فغنت أروع أغانيها الوطنية «يا أغلى اسم في الوجود» التي ما زالت حتى اليوم بمثابة النشيد القومي لمصر.
بل ان طلاب المدارس كلها تغنيه كل يوم، ثم قدم لها الموسيقار الكبير رياض السنباطي قصيدة «أنا النيل مقبرة الغزاة» للشاعر مصطفى محمود وفي العام 1974 اندلعت الحرب اللبنانية فسرق منزلها ونهبت محتوياته فسافرت إلى القاهرة وأقامت فيها إقامة دائمة حيث تم تكريمها بمنحها الجنسية المصرية وأطلق عليها لقب «عاشقة مصر» لما قدمته من أغنيات صادقة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.
دموع المحبة
فايزة أحمد من مواليد عام 1930 من أم لبنانية وأب سوري، وعند التحاقها بالمدرسة كانت تقدم أغاني ليلى مراد وأسمهان، وشجعتها والدتها على الغناء فأحضرت لها مدرسا ليعلمها أصول الغناء، وقررت الاحتراف وكان عمرها 11 عاما وتقدمت للإذاعة اللبنانية ونجحت وأصبحت مطربة معتمدة وأدت بعض الأغنيات لكنها لم تجد قبولا لدى المستمعين وقررت الاتجاه لإذاعة دمشق لكنها لم تجد النجاح .
ولم تيأس فقررت الاتجاه إلى حلب وهناك غنت في احد الملاهي وحققت نجاحا كبيرا وبدأت رحلة التألق في أنحاء دمشق ، ثم قررت السفر إلى مصر لتفتح لها أبواب الشهرة على مصاريعها وتكتمل دائرة النجاح، وغنت أول أغنية في الإسكندرية ثم تقدمت للإذاعة المصرية واعترفت بها لأول مرة كمطربة عام 1959 حيث قدمها الإذاعي صلاح زكي في أغنية من ألحان محمد محسن بعنوان ابشر عليك، وأغنية «دموع المحبه» لمحمد رياض ثم التقت بعد ذلك بالموسيقار الراحل محمد الموجي حيث استطاعت معه أن تشكل خطا غنائيا وثنائيا في العديد من الروائع وقامت بأداء العديد من الأغاني التي أحدثت ضجة كبيرة في مجال الفن وقد لحن لها أيضا كمال الطويل.
ومحمود الشريف، وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، لم تكتف فايزة أحمد بالغناء فقط بل قدمها أيضا الملحن بليغ حمدي للسينما وأبدعت في العديد من الأفلام منها وأشهرها أنا وبناني الذي يعتبر أنجح وأروع ما قدمته وفيلم تمر حنة، ليلى بنت الشاطئ، المليونيرة الفقيرة، واخر ما قدمته للسينما قبل رحيلها فيلم «منتهى الفرح»، ورحلت عن الدنيا عام 1983م بعد إصابتها بسرطان الثدي.
انتصار الشباب
انتقلت الفنانة أسمهان إلى القاهرة إثر نشوب الثورة الدرزية وانطلاقة الثورة السورية الكبرى حيث أقامت مع عائلتها في حي الفجالة وهي تعاني من البؤس والفقر، ظهرت مواهبها الغنائية باكرا، فقد كانت تغني في البيت والمدرسة مقلدة أم كلثوم ومرددة أغاني محمد عبد الوهاب، وبدايتها الفنية بدأت عندما سمعها داود حسني وأعجب بصوتها كثيرا وأطلق عليها اسم أسمهان، لتلمع بعد ذلك في عالم الغناء والسينما، فمثلت أول أفلامها انتصار الشباب إلى جانب أخيها فريد الأطرش وغرام وانتقام إلى جانب يوسف وهبي وشاركت محمد عبد الوهاب الغناء في اوبريت «مجنون ليلى».
دبي ـ عبادة إبراهيم

