المصريون لا يعترفون بأزمة اقتصادية ولا يهمهم غول الأسعار ولا القفزات الهائلة التي تشهدها أسعار السلع الاستهلاكية في الأسواق.
فكل هذا يتراجع أمام عيد الفطر المبارك، وهي مناسبة سنوية لها طقوس لا تندثر، وعادات اتفق الكثيرون عليها إلى الآن.ومن أهم هذه العادات والطقوس «الكعك والبسكويت والغريبة والبيتي فور»، حيث تعلن بسببهم الأسرة المصرية حالة الطوارئ في العشر الأواخر من رمضان، المخابز والأفران في مصر هي الأخرى تشهد حشودًا هائلة من الأهالي الذين يفضلون عمله منزليًا، عن شرائه من المحلات التي أصبحت تتفنن في تنفيذ أصناف مغرية من كعك العيد.
«صاجات» الكعك
وخلال الأيام التي تسبق قدوم العيد، يتكرر المشهد يوميًا، خاصة في المناطق العشوائية الفقيرة والريفية، وأبطال هذا المشهد هم الأطفال الذين يحملون «الصاجات» المخصصة لتسوية الكعك والبسكويت فوق رؤوسهم، ويحملونها من منازلهم إلى الأفران المجاورة لهم، فيما قامت الأفران بالمناطق الراقية بالاستعانة بماكينات كهربائية لتصنيع الكعك والبسكويت.
وقبل أيام من التفكير في عمل الكعك والبسكويت، غالبًا ما يحدث الصراع المعتاد بين الزوجات والأزواج حيث تصر بعض الزوجات على هذا التقليد السنوي الذي يدخل البهجة والسرور على قلوب الأبناء، دون أدنى مراعاة لقدرات الزوج ما يترتب عليه حدوث مشاحنات بين الطرفين قد تصل أحيانًا إلى ترك الزوجة منزل الزوجية بعد اتهام الزوج بالبخل وحرمان الأولاد، لكن في النهاية تنتصر الزوجة ويسكت الزوج وهو كاره حتى لا تتفكك الأسرة، ليظل كعك العيد أهم مظاهر الاحتفال بعيد الفطر مهما تغيرت المذاهب أو تبدلت الدول والرايات أو انحدرت أو ارتفعت مستويات المعيشة ليصبح عنوانًا لعيد الفطر عند المصريين.
الحرص المبالغ فيه من المصريين على عادة كعك وبسكويت العيد بالإضافه إلي الغريبة والبيتي فور، كشفته إحصائية صادرة عن الغرفة التجارية المصرية التي قدرت متوسط الاستهلاك السنوي من كعك العيد بنحو 156 ألف طن كعك بتكلفة دقيق تصل إلى 560 مليون جنيه مصري، والغريب هو ما لفتت إليه الإحصائية من أن المصريين قد تعودوا على تقسيم رمضان إلى ثلاثة أجزاء أولها 10 أيام أكل، ثم 10 أيام لشراء الملابس الجديدة، بينما اختصت العشرة أيام الأواخر في عمل الكعك والبسكويت وما شابههما.
وفيما أكدت الإحصائية تعود المصريين على التعايش مع الأزمات من خلال التقسيط والقرض وغيرهما من وسائل التحايل، إلا أنه من المتوقع هذا العام عدم استهلاك المصريين للكعك بنفس الكميات المعتادة سنويًا، نظرًا لارتفاع أسعار الخامات التي يصنع منها، إلى جانب تزامن العيد مع قدوم موسم المدارس.
مظهر اجتماعي
الدكتورة عزة كريم بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية، قالت: شهدت السنوات الأخيرة لجوء بعض الأسر بغض النظر عن اختلاف الحالة المادية إلى شراء الكعك جاهزًا من بعض المحال المتخصصة في إنتاجه لأسباب عديدة منها اختصار الوقت والاقتصاد في التكلفة، فضلاً عن الحصول على أشكال ومذاق متميز يعدها صناع الحلويات المهرة، وتلفت أن الكعك في البيوت المصرية أصبح ينافس كلاً من البسكويت والقراقيش والحلويات والترمس والفول السوداني والشُريك، وتظل الأسر تتناوله بعد العيد بعدة أسابيع.
جانب آخر من كعك العيد تلفت إليه خبيرة علم الاجتماع بقولها: إن كعك العيد لا يقتصر تناوله فقط في هذه المناسبة السنوية، بل تقوم بعض العائلات بتوزيعه على أرواح أمواتهم عند زيارتهم القبور، ويبدو هذا الأمر أكثر وضوحًا عند الريفيات اللائي يحرصن على تقديم الكعك في أشكال حلقات محلاة بالسكر، ليوزع على الفقراء بالمقابر، بعيدًا عن أي مواريث دينية، ولكنها معتقدات بأن الميت يتذوق طعمها بعد أن يتناولها الفقير.
حالة طوارئ
وبعيدًا عن كعك العيد ومشاكله الاقتصادية والصحية فمن السمات الأخرى الملازمة للأسر المصرية هو إعلانها حالة الطوارئ قبل العيد بيوم أو يومين حيث تقوم بإخراج كل مفروشات منازلها والقيام بتنظيف الأرضيات والحوائط والسلالم حتى يظهر كل منزل في أفضل أشكاله، وتتفنن الأسر أيضًا في عمل ديكورات حديثة ابتهاجًا بقدوم عيد الفطر الذي يختلف تمامًا عن عيد الأضحى الذي يأتي بعده ب70 يومًا.
الجمعة الأخيرة
تشهد المناطق التي تتواجد بها أسواق الملابس والألعاب زحامًا شديدًا في الجمعة الأخيرة من رمضان حيث تتصارع الأسر في شراء كل ما يحتاجها، معتقدين أن الأسعار تكون قد تراجعت بعض الشيء بعد الهجوم الشديد عليها في بداية رمضان، إلا أنهم يصدمون بواقع مرير وهو غلاء الأسعار وعدم استطاعتهم التأجيل لكون العيد على الأبواب، وهذا يحدث كل عام، وكأنها عادة سنوية، وتعد أسواق العتبة والموسكي وشارع الأزهر ووكالة البلح من كبرى الأسواق التي تشهد زحامًا شديدًا، وأثناء ذلك تصاب حركة المرور بالشلل التام التي يحاول خلالها رجال المرور جاهدين استعادة الوضع إلى ما كان عليه، ولكنهم غالبا ما يفشلون حتى الساعات الأولى من ليلة العيد.
ليلة العيد
صباح ليلة العيد تشهد الساحات الواسعة نشاطًا مكثفًا لأداء صلاة العيد في الخلاء حيث يشارك الشباب في تنظيف تلك الساحات وفرشها بالموكيت والسجاد وتعليق الزينة ومكبرات الصوت وإعداد منبر الإمام والخطيب، أما الشباب فيسهرون في تلك الليلة حتى الصباح والأطفال يقومون بترتيب ملابسهم وإحصاء مدخراتهم الشخصية انتظارًا لما سيضاف عليها من «عيديات»، وفور أداء صلاة العيد ينطلق الجميع لتهنئة بعضهم البعض بعيد الفطر، ويقوم الأطفال بفرقعة الألعاب النارية والإسراع إلى المنزل انتظارًا لزيارة الأقارب الذي يقدمون عليهم بالعيديات، ليكون الأطفال في هذا اليوم هم نجوم العيد، بينما يتطلع الشباب خاصة المراهقين هذا العيد بأن تكون المعايدة بكروت شحن فئة 50 أو 100 جنيه من الآباء والأمهات.
وفيما يتزاور الأقارب سواء أقارب الزوج أم الزوجة في هذا اليوم على أن يتم بعدها رد الزيارة فيذهبون للمعايدة عليهم في منزلهم مرة أخرى، يقوم جانب كبير من المصريين، خاصة في قرى محافظات الوجهين البحري والقبلي فور الانتهاء من أدائهم صلاة العيد بزيارة القبور، اعتقادًا منهم بأنهم يتصلون بالأموات الذين رحلوا عن دنيانا مهما انفعل خطباء المساجد وحذروهم من أن هذه العادة لا أصل لها في الإسلام حتى أنه غير مستحب زيارة الأموات في ذلك اليوم، لأن هذا اليوم يحق للصائمين الفرحة فيه.
المصايف والمتنزهات
في مساء أول وثاني وثالث أيام عيد الفطر المبارك تكون المتنزهات والمصايف وحديقة الحيوان والأهرامات كاملة العدد، وهناك بعض الأسر التي تفضل قضاء الأجازة مع أقاربها في القرى والمدن بعيدًا عن صخب وضوضاء القاهرة، فيما يحرص 90% من المصريين على تناول الأسماك المملحة «الفسيخ» وأسماك التونة والرنجة بعد أن حرموا من تناولها 30 يومًا من الصيام لما يسببه من عطش شديد، كما يشهد أول وثاني وثالث أيام العيد آلاف الزيجات بعد أن تتوقف لمدة شهر كامل.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

