«أحن إلى خبز أمي، وقهوة أمي»، قصيدة أطلقها محمود درويش فصارت أغنيتنا جميعا نحن الذين نحن إلى خبز أمهاتنا الحار بنكهته الطيبة وروائحه الشهية، لأن أشهى الأرغفة هي التي تناولناها من أيدي أمهاتنا فكانت سخونتها تلسع أيدينا ورائحتها تعاند فينا الانتظار، وفي الإمارات أنواع من الخبز الشهي لم تستطع كل المخابز العالمية أن تضاهي طعمها، لأن الأمهات عجن الدقيق مع المحبة وخبزنه لأبنائهن فكان سر النكهة يكمن في الأيادي التي صنعت الخبز.
وعند الحديث عن الخبز الإماراتي وأنواعه تتلألأ ابتسامة رائقة على وجوه المتحدثين، فهم يستعيدون ذكريات طفولة ولذة الرغيف التي تبقى ما بقيت الذاكرة، يقول حمد سالم: كأني أشم رائحة خبز أمي الآن ونحن نتحلق حولها في برد الشتاء منتظرين خبزا حارا يبعث في أجسامنا الدفء والقوة، وهناك أنواع متعددة للخبز تختلف باختلاف المواسم ، ففي الشتاء كان خبز الخمير هو السائد لأنه يدهن بالسمن ويعطي قوة وطاقة لآكله، بينما يكون خبز الجباب والمحلا مرغوب في فصل الصيف، وتخصص أهل الجبال بخبز التنور، ومن أشهر الأنواع التي عرفت في جميع الإمارات، خبز الرقاق الذي تعرفه كل البيوت وصار الآن موجودا في المخابز.
وتقول فاطمة حسن سالم الشامسي: إن المرأة الإماراتية اهتمت بإعداد أنواع مختلفة من الخبز الذي يناسب الأسر الكبيرة، فقد كان خبز الخمير يعجن في الليل ويترك ليتخمر حتى الصباح ثم يخبز، ولم تكن هناك خميرة تباع في الماضي لذا كانت أمهاتنا يضعن قطعة من عجين الخمير جانبا لتستخدم في اليوم الثاني، ويحضر الخمير بمزج الماء الدافئ مع التمر حتى يذوب بعد أن يمرس باليد، ثم يصفى الخليط من الشوائب، ويضاف إلى الجينة المحفوظة من اليوم السابق ثم يخلط مع الدقيق ويعجن ويترك حتى الصباح، ثم يقطع إلى عدة قطع ثم يبسط على شكل دوائر وتوضع القطع واحدة بعد الأخرى على الطوباي وتقلب حتى تنضج.
ويقول جمعة بن عايش القايدي صاحب مطبخ بن عايش في منطقة شوكة برأس الخيمة: إن الخبز الإماراتي يتميز بمذاقه الطيب كونه يؤكل حارا ويمكن أن يضاف إليه البيض أو الدبس، وقد عرف الناس عندنا في الجبال خبز التنور الذي كان يعد من البر ويخبز في تنور موجود في كل بيت من بيوت الجبل، وكذلك عرف الناس خبز الرقاق الذي يؤكل مع البيض أو الجبن أو يستخدم في عمل الفريد، ونحن في المطبخ نستخدمه في الفريد أو مع اللحم المشوي وتغطية القوزي.
وتتحدث مريم ناصر عن خبز الرقاق فتقول: خبز الرقاق هو أشهر أنواع الخبز، ويكون عجينة خفيفة مصنوعة من الدقيق والماء والملح يؤخذ منها بحجم قبضة اليد ويفرش على الطابي الساخن، وهو يحتاج خبرة في طريقة فرده.
حيث تعودت النساء فرده بطريقة احترافية، وتترك العجينة حتى تنضج وتجف فترفع من النار بالمحماس، ويوضع عليها السكر والسمن وتؤكل، والناس تفضل خبز الرقاق المنزلي.
حيث تحرص كثير من الأمهات على إعداده على الحطب بالطرق التقليدية، وخبز الرقاق لا يخمر لذا يمكن عجنه وإعداده مباشرة لذا تعد المرأة ما يكفي أسرتها في كل مرة.
وتهتم عائشة سيف بإعداد مختلف أنواع الخبز في بيتها إذ تقول: هذه الأنواع عرفناها من أهلنا وهي تحضر في وقتها ونعرف مكوناتها وقد تعودت أن أعدها لأبنائي وهم الآن يجتمعون عندي يوم الجمعة فيجدون أنواع الخبز والأكلات الشعبية بانتظارهم، وأنا أعد خبز الجباب الذي يختلف قليلا عن الخبز المحلا بأنه يكون متخمرا قليلا فحين تخبز الخبزة تتكون فيها ثقوب نتيجة التخمر.
بينما يكون المحلا أخف منه الجباب وأرق، ويصنع المحلا بإعداد عجينة رخوة سائلة يتم رفعها بملعقة كبيرة، وكنا في الماضي نستخدم علبة معدنية صغيرة نأخذ كمية من العجينة ونصبها على الطابي وتبسط بالملعقة، وكنا نستخدم عودا من سعف النخيل لبسطها، وحين تنضج من الجهة السفلية تقلب على الجهة الأخرى ويضاف إليها البيض، والآن أصبحت النساء تضيف مطيبات وأشياء مختلفة للخبز المحلا.
والقرص نوع من الخبز المعروف عند البدو، وهو من أطيب الأطعمة عندهم يجهز على الجمر الذي يعد من خشب السمر أو الغضا، ثم تعجن عجينة القرص من خبز البر وتكون صلبة ثم تعمل على شكل قرص يوضع مباشرة في النار لمدة عشر دقائق إلى خمس عشرة دقيقة، وبعد أن ينضج يتم تنظيفه من الرماد وقطع الجمر ثم يكسر داخل قدر، ويكون جاهزا للأكل.
وكون البر كان مصدر الغذاء الأول للناس، فقد استطاعت النساء في الماضي تنويع الأكلات الشعبية، فنجد أن البلاليط أكلة شعبية لذيذة قوامها عجينة متخمرة من طحين البر تشكل على شكل كرات صغيرة وتوضع في الزيت الغزي الساخن وتقلى، ثم تحلى بدبس التمر.
وكذلك صنعت النساء العصيدة والهريسة والخنفروش وكثيرا من الأطعمة التي تعتمد في تكوينها على طحين البر، حيث تقول الوالدة عفراء محمد: أيام أول لم تتوفر عندنا أسواق وجمعيات، ولم نكن نشتري الطحين من السوق.
فقد كان الرجال يزرعون البر في الوعب وهي أماكن مستوية ومعدلة لزراعة الحنطة في مواسمها التي تعتمد على الأمطار، وحين يأتي موسم الحصاد تجمع سنابل الحنطة الجافة وتنظف وتسحق ثم تخزن في الينز، ونقوم يوميا بأخذ ما يكفينا لنطحنه بالرحى التي تكون ثقيلة جدا، لكن المرأة في الماضي تعودت العمل الشاق، لذا بعد أن تطحن البر تعجنه لتخبزه بالتنور الذي يكون موجودا في بيتها، وكان الناس في الشتاء يضعون موقدا للنار يشبه التنور داخل البيت.
وتوضع فوقه «التالوة» أو الطوباي، ويخبز عليه خبز الخمير الذي يلت بالسمن ويكون طعاما مشبعا للناس في فصل الشتاء، وهكذا كانت حياتنا سهلة ليس فيها تلك الأطعمة التي تكون مليئة بالدهون وتجلب لنا الأمراض، فحين نخبز خبزنا نعرف مكوناته ليس كما نسمع اليوم كل يوم عن الأكل الجاهز والمواد الكيميائية الموجودة فيه عافانا الله من أضرارها.
دبي - دلال جويد



