بقدر ما تتناول مقاهي القاهرة التاريخية والثقافية تجد هناك مفارقات عجيبة حيث تجد كل واحد من هذه المقاهي أشهر من الآخر وله تاريخ منافس وعريق. ومن بين هذه المقاهي مقهى الزهراء الذي تأسس منذ 102 عام.

ومقهى الزهراء بحي الحسين يعنى متعة السهر خاصة في شهر رمضان الكريم، حيث الشاي بالنعناع والقهوة والشيشة وأصوات الضحكات المتلاحقة فرحًا بهذا الليل الجميل. وتاريخ المقهى محفوظ في ذاكرة الذين عايشوا مراحل مسيرته منذ أيامه الأولى وحتى الآن وأصحابه الذين توارثوا المقهى بكل تاريخه الأصيل وقبلهم سجلات التاريخ التي سطرت سيرة المقهى منذ تأسيسه وحتى الآن.

نجوم المجتمع... أسس المقهى بدر الدين عبده وإخوانه عام 1907 وبدأ كمقهى صغير لتناول الشاي والقهوة والمشروبات الشعبية وشرب الشيشة.. وكان المقهى في ذلك الوقت صغيرا جدا وكل زبائنه من أبناء المناطق القريبة من حي الحسين، وتطور مع مرور السنوات، ومنذ أربعينيات القرن الماضي أصبح المقهى يستقطب كبار نجوم المجتمع من الباشوات والبهوات والمسؤولين في الدولة وعمالقة الفن والأدب. وتقام فيه الليالي الساهرة والندوات الثقافية حيث كانت المناقشات تدور فيه حتى صلاة الفجر. وقال الحاج عبد الله صافي، أحد قدامى زبائن المقهى، إنه بدأ علاقته بهذا المقهى عام 1964 وهو في العشرين من عمره وكان في ذلك الوقت يرى مسؤولين كبارا وآخرين من كبار رجال الأعمال وقتها يجلسون في هذا المقهى ولهم ركن خاص يتناقشون ويتفكرون حول كثير من القضايا وينصرفون في آخر الليل.

زبائنه القدامى

يضيف: كنا نراهم في كامل زينتهم ومظهرهم الشيك، ولكنهم رغم ذلك لم يكونوا متكبرين بل كانوا متواضعين بحكم أن زبائن هذا المقهى مترابطون ويعرفون بعضهم البعض.

وأشار إلى أن المقهى تطور كثيرًا خلال فترتي الثمانينيات والتسعينيات بسبب التطور الذي شهده أغلب مقاهي الحسين، وكان لابد من الدخول في المنافسة من خلال وجود مكان شيك ونظيف، وكذلك في نوعية المشروبات وطريقة تقديمها ومظهر الجرسونات وديكورات المقهى التي أصبحت الآن في غاية الجمال.

ولكن الحسن إبراهيم الذي يعمل بالمحل المجاور للمقهى قال إن أصالة هذا المكان تكمن في أنه لم يغير طريقة تعامله مع زبائنه القدامى فهؤلاء لهم وضع خاص، وقال إنه أول مرة دخل هذا المقهى عام 1994 عندما بدأ العمل في أحد محلات الحسين وحاليًا لا يسأل عن الحساب بل هو وحده يدفع وقتما يشاء.

تاريخ مصر

بمجرد دخولك مقهى «الزهراء» تشعر بأن هذا المقهى يحمل بين جنباته تاريخ مصر ودوره الرائد في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية حيث تجد بعض زبائنه من كبار السن وهؤلاء هم أقدم الزبائن وتجدهم يجلسون في أحد أركان المقهى يتحدثون عن تاريخ مصر وذكرياتهم، وبعضهم يتحدث عن شخصيات مهمة سبق أن التقاها في هذا المكان.

وبرغم أن أغلبهم كان في سن صغيرة في ذلك الوقت فإنهم يؤكدون أن هيئتهم وتعاملهم الراقي محفور في ذاكرتهم وذكر أحدهم أن أحد مسؤولي المحافظة جاء لزيارة مقاهي الحسين وبانتهاء الجولة وكانت آخرها مقهى الزهراء جلس يشرب الشاي ودار نقاش كبير حول التضييق على أصحاب المقاهي في طموحاتهم للتوسع والتجديد.

فما كان منه إلا كشف لهم حدود التوسيع كيف يمكن أن يكون، وعندما ذهب له البعض ساعدهم بشدة وقال لهم أساعدكم لأنني عندما زرتكم رأيت مصر الحقيقية خاصة في مقهى «الزهراء».

ليالي الزهراء

وليالي مقهى الزهراء لها طعم خاص حيث كان المقهى يقوم باستقطاب مجموعة من العازفين على الناي والعود ومطربين محددين يقدمون الطرب الأصيل والموسيقى العربية الأصيلة ورواده تجدهم يتمايلون وهم يتناولون المشروبات الساخنة ويدخنون الشيشة، وفي السنوات الأخيرة أصبح من أفضل المقاهي التي يرتادها السياح الأجانب.

وقال أحد عمال المقهى إن الخواجات قالوا لهم إن هذا المقهى يتمتع بأصالة نادرة ويحتفظ بتاريخه القديم، وأشار إلى أن هؤلاء الخواجات يركزون في طلباتهم على المشروبات الشعبية التي يتناولونها بكثرة وإعجاب شديد.

العرب والأجانب

أما السياح العرب فلهم موسم محدد وهو في شهور يونيو ويوليو وأغسطس، وفي هذه الشهور يستعد لها المقهى جيدًا ونحن نعرف الأجواء التي يريدها العرب وكل ما يتناولونه، وقال إن أغلب هؤلاء من المملكة العربية السعودية وليبيا والكويت والسودان، لكن مؤخرا ظهرت سياحة المغاربة وهؤلاء بدأوا يشكلون حضورًا كبيرًا في المقهى وبقية المقاهي.

وتابع: أما السياح الأجانب فموسمهم كل شهور الشتاء حيث تجدهم دائمًا يحرصون على الانتشار في المقاهي القديمة والعتيقة وهم أكثر الناس إحساسًا بقيمتها، أما موسم الموالد فيعد موسما خاصا بأهالي الأقاليم والصوفية الذين يأتون من كل أنحاء مصر لممارسة طقوسهم في هذه الموالد ولذلك تجدهم أيضًا منتشرين في مقاهي الحسين.

تاريخ

اعتبر المؤرخون أن مقهى الزهراء هو أحد شهود التاريخ بكل أحداثه المهمة ومن خلاله شارك الكثيرون منهم في صناعة هذا التاريخ المليء بالبطولات والإنجازات، حيث كان يستقبل كبار المطربين الذين ضربت شهرتهم أركان الدنيا مثل أم كلثوم فعندما جاءت يوما إلى مقاهي الحسين ومرت من أمام مقهى الزهراء رأت كل رواده وقفوا يحيونها ويرحبون بها فاضطرت إلى الجلوس بينهم، وفي دقائق كانت أمام المقهى كتل بشرية.

وكذلك العديد من الضباط الأحرار قبل الثورة كانوا يجلسون في هذا المقهى والعديد من السياسيين البارزين والمؤثرين كانوا زوارا لمقهى الزهراء أيضًا.

حواديت

يعد مقهى الزهراء من المقاهي التي خلفت على مدى سنوات طويلة كثيرًا من الحواديت والذكريات لدى رواده خاصة فيما يتعلق بنوع معين من الزبائن أو مواقف فرضتها أهمية المقهى وشهرته الكبيرة.

وقال البعض إن هذا المقهى جاذب لكل المارة من زوار الحسين أو محلات خان الخليلي وإنه برغم فخامته حاليًا لم يخل من تواضع أسعاره فهي معقولة ومقبولة إلى حد كبير.