قالت العرب ثلاثة أنواع من الخدمة لا تعيب المرء: خدمته لبيته، وخدمته لفرسه، وخدمته لضيفه، وقد جمع هذا القول الخيل والبيت والضيف في درجة واحدة، فالفرس رفيقة صاحبها تعرف إشاراته وتنتبه إلى نبر صوته فتسكن إذا غضب وتتغنج إذا رضي، وتلك العلاقة لم تأت من فراغ بل هي نتيجة طبيعية لحب الفارس لفرسه.

وقد ارتبط الرجل العربي بحصانه بعلاقة محبة جعلته يبذل الغالي والنفيس من أجل راحته، فيمكن أن نجد الرجل الكريم الكبير بين قومه يهتم بفرسه كما يهتم بعزيز أبنائه، فهو يفخر بحصانه الأصيل، بل انه يراها ثروته حتى قال الشاعر: ولا مال إلا الخيل عندي.. وإن كنت من حمر الدنانير موسرا.وفي الإمارات شكل حب الخيل شغفاً مميزاً؛ فقد حظيت الخيول العربية الأصيلة باهتمام كبير لدى كبار القوم، وعلى الرغم من أن الإبل كانت هي وسيلة النقل الأهم فقد كانت الخيول الأصيلة تحظى باهتمام الحكام والشيوخ، وكان هناك من تخصص بأنساب الخيل وأصولها وتمييز الفرس الأصيلة عن غيرها، وقد استمر هذا الشغف حتى وصلت خيول الإمارات إلى العالمية وأصبح يشار إليها بالبنان.

والخيل قد تكون وسيلة صداقة جميلة، إذ إنها استطاعت أن تجمع عددا من الرجال اتفقوا على حبها؛ فأسسوا اسطبلهم الخاص. استقبلنا عبد الله بن هويدن ومحمد بن علي الكتبي وبطي بن سالم ومجموعة من الشباب معهم اجتمعوا في صحراء الذيد في اسطبلهم في منطقة (الحنيوة) مستأنسين بالجلوس عند (عراقيبها) يتأملون خيولهم ويناقشون أمور رعايتها وتطوير خدماتها، وقد بدأ الحديث معهم عن الخيل ووجودها في الإمارات، يقول: محمد بن علي بن حسن الكتبي: الخيل موجودة في الإمارات منذ زمن طويل.

لكن ارتفاع كلفة العناية بها ورعايتها جعل وجودها مقصورا على الأسر الحاكمة، كما أن الخيول كانت معروفة في زمن أقدم من ذلك؛ أي زمن الفروسية قبل دخول الأسلحة النارية حين كانت الحرب تقوم بالسيف، وكان الفرسان يعرفون سلالات خيولهم بالكامل وهناك من يمتلك وثائق تثبت نسب حصانه، وهناك أسماء لمرابط الخيل العربية يعرفها أصحاب الاختصاص منها الكحيلة والصقلاوية والعبية والشويمة وغيرها من سلالات الخيل التي عرفها العرب وسجلوا وتوارثوا ذريتها وحافظوا على نسبها.

ويتحدث الكتبي عن سر اهتمامه بالخيل قائلاً: كان عندي شغفبها منذ الطفولة، لكن ظروف العمل والدراسة أبعدتني عن الخيل، لأن رعايتها تحتاج إلى الاستقرار والوقت، وقد جمعتني هذه الهواية مع أصدقائي فقررنا إنشاء اسطبل خاص، وبدأنا العمل منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، وكان تدريب الشباب من أهم ايجابيات المشروع لأنه يقدم لهم اهتماما رياضيا بعيدا عن تبديد وقت الفراغ فيما لا ينفع.

والخيل تجارة رابحة كما يراها عبد الله بن هويدن، الذي يهتم بتجارة الخيول ويعرف الأصيلة منها، يقول: التأكد من أصالة الخيل أصبح الآن أكثر دقة وسهولة؛ فكل فرس أصيلة لها جواز يحدد مواصفاتها، كما توجد بصمة خاصة بها يمكن كشف صحة الجواز عن طريقها، كما أن الخيول العربية الأصيلة تعرف من شكلها أو طولها، وشكل الرأس وفتحتي الأنف.

وأسعار الخيول تختلف حسب أنواعها؛ فأغلاها الخيل المهجنة بين الانجليزي والعربي، لأنها تأخذ الأحسن من الاثنين، وهناك خيول يصل سعرها إلى المليون درهم أو أكثر، وأما حصان السباق فيرتفع ثمنه لأنه يحقق أرباحا كبيرة لصاحبه.

ويشير بطي بن سالم إلى أن اهتمام الرجل بالخيل يشذب طباعه ويجسد في نفسه روح الفارس، وأن الصحبة على حب الخيل جعلته يتواصل مع أصدقائه بشكل دائم، يقول: عالم الفروسية وتربية الخيل جميل يجعلنا ندرك مزايا الفرس وطباعها ونعرف إلى أي حد يمكن أن يأنس الحصان الأصيل لصاحبه ويكون مخلصا له، وقد وجدت في الخيل ميزات جعلتني أقدر تربيتها وأهتم بمعرفتها.

فهناك أساسيات في التعامل مع الفرس أولها خطوات الأمان التي تؤكد ضرورة ألا يقترب الشخص من الفرس من جهة الخلف لأنه يمكن أن يتعرض للرفس حتى لو كان الحصان مسالما، وعليه أن يقترب من كتفها الأيمن أو الأيسر، وحتى لو أراد المرور من خلفها فيجب أن يترك مسافة أمان بينه وبينها؛ فرفسة الحصان خطرة جدا أو كما يقولون نتائجها (كسر أو قبر)، ونحن نحذر الشباب الصغار قبل أن يقتربوا من الخيول أو يتعاملوا معها.

ويشير محمد بن علي بن حسن الكتبي إلى أن الخيول لها خصوصية مميزة في طباعها فهي تأنس بصاحبها وتنزعج من الأصوات العالية والإضاءة العالية في الليل، كما أنها تميز اسمها حين تنادى به لذا على صاحبها أن يناديها باسمها لتنتبه إليه، ولا يجب الدخول على الفرس فجأة من دون تنبيه، والحصان يمكن أن يكون عنيدا حين يجبر على شيء، لكنه في الوقت ذاته يميز نبر صوت صاحبه إذا كان غاضبا أو راضيا، وقد لاحظت هذه الحالة مع حصان كان عنيدا مع العامل لا يطاوعه، لكني زجرته من بعيد بصوت غاضب فوجدته قد توقف وغير طريقته وأصبح مطيعا.

والخيل تميز أصوات أصحابها وتعرفهم ولا تأنس بغيرهم، وبعض الخيول لا تأنس بغير فارسها ولا تسمح لغيره بركوبها، وقد حاول أحد الأشخاص سرقة الاسطبل، لكنه ما أن دخل المكان حتى تعرض لرفسة من أحد الخيول لأنه كان غريبا على الخيل فنفرت منه، وعلى صاحب الفرس أن يرعاها ويمشي معها لمسافات غير طويلة من دون أن يركبها ويمسح على ظهرها ورقبتها وعرفها، كما يجب ألا يفزعها كي لا تثور وتؤذي من حولها فيصعب السيطرة عليها، والخيل تحب الفضاءات الواسعة لتسهل حركتها وتشعر بالحرية فيها، وقد وجدنا أن تلك البيئة الصحراوية بما فيها من عراقيب وأرض واسعة ورمال مناسبة جدا للخيول، وهو ما أثنى عليه اتحاد الفروسية في الإمارات عند اختيارنا للمكان.

وترويض الفرس يحتاج إلى شهور عدة حتى تأنس بمروضها وتتعرف إليه فتكون طوع أمره ورفيقته الدائمة وقد قال لامارتين «إن عين الجواد العربي لغة قائمة بذاتها، فيها يعبر عن مشاعره، ويتفهم كل شيء، وتتفجر من محجرها صدقة من نار وسط بياض مبقَّع بالدم».

ألاللخيل أدوات خاصة تسهل قيادتها أو ركوبها تتكون من اللجام والسرج، واللجام يشمل القماط الرأسي والعذاران وحزام الحنجرة ورباط الجبهة و(الحكمة) أي الحزام الأنفي والشكيمة والعنان، أما السرج فيكون مصنوعا من الجلد وتوضع تحته اللبادة لتحمي ظهر الفرس من الجروح والخدوش التي يسببها السرج، والشجرة التي تمثل هيكل السرج الداخلي وتكون مصنوعة من مواد صلبة مثل الخشب تثبت السرج، والحزام الذي يربط السرج حول بطن الفرس، والركاب الذي يمثل موضع قدمي الفارس، وهناك (المعرقة) التي توضع بدل السرج لتحفظ عرق الفرس لئلا ينزلق فارسها عنها.

دبي- دلال جويد