منذ اليوم الأول لحلول شهر رمضان المبارك وحتى المساء الأخير، تندمج شعوب العالم الإسلامي بعادات وتقاليد غارقة في الأصالة، وهي التي لا تتجلى ملامحها في بقية شهور العام، ومن هذا المنطلق تظل لشهر الصوم خصوصية فريدة تلمح في أعين الناس وممارساتهم، ترشح منها ألوان من إيمانية شتى تبقي أهلها في حالة فرح دائمة، وكأن أيام الشهر الفضيل أعياد زاخرة بالمعاني الإنسانية السامية لدى مختلف الشعوب والمجتمعات.

من أجل ذلك أردنا للجمهور أن يتعرف أكثر، وبتفاصيل شتى عن ملامح رمضانية تحفظها شعوب العالم الإسلامي عن ظهر قلب، وتعيش معها عادات وأعراف متباينة، قلما يعرفها الكثيرون حول العالم، لكون أن لكل بلد إسلامي خصوصية رمضانية ربما لا تكون في مكان آخر قريب أو بعيد.. «عادات» رمضانية تنتقل اليوم إلى أجواء إندونيسيا التي تعد أكبر دولة إسلامية في العالم من حيث عدد السكان، وتسرد على لسان أبنائها أجواء الشهر الفضيل هناك، تماماً كما هي ضمن تقاليدهم وأعرافهم المتوارثة أباً عن جد.وكما يقول الإندونيسيون أنفسهم، فإنه وعلى الرغم من أن بلدهم تتكون من آلاف الجزر، إلا أن تقاليد تلك الجزر مجتمعة تتوحد خلال شهر رمضان رغم اختلافها من جزيرة إلى أخرى في غيره من الشهور.

حيث يستقبل جميع الإندونيسيين الشهر المبارك بالذبائح ابتهاجاً بقدومه، فيما يذهبون جميعاً إلى المساجد خلال النهار لتلاوة القرآن الكريم، في عرف يسمى «تداروس»، ومن أشهر المساجد الإندونيسية مسجد رابا، ومسجد الشهداء، ومسجد بيت الرحيم، الواقع في ساحة القصر الجمهوري في جاكرتا، وجميع المساجد والبيوت هناك تتزين طوال أيام الشهر الفضيل بالفوانيس الجميلة المزخرفة التي تسمى «قلمان».

ولعل من أبرز وألمح العادات الرمضانية في إندونيسيا، أنه وبعد الانتهاء من صلاة التراويح، يتجمع شباب كل قرية بالقرب من المسجد للغناء والابتهالات حتى موعد السحور، فيما يتولى فريق منهم يدعون أصحاب النوبة بإيقاظ الأهالي وقت السحور، باستخدام آلة تسمى «بدوق»، وفي الليلة التالية تقوم جماعة أخرى من الشباب بنفس العمل على شكل مناوبات.

ومما هو متعارف عليه في المدن الكبيرة، أن المدافع هناك تنطلق لإيقاظ السكان للسحور وللإمساك أيضاً، في حين تبرز مظاهر التكافل الاجتماعي بين مختلف شرائح المجتمع، حيث تقيم الأسر الغنية موائد الرحمن للفقراء والمحتاجين طوال الشهر، وتزيد في العطاء والصدقات في ليلة القدر، كما تنشط الجمعيات الخيرية في ربوع البلاد لتجمع زكاة الفطر قبل يوم العيد لتوزيعها على المحتاجين.

أبواب البيوت الإندونيسية كاملة، تمتاز بكونها تزين أبوابها أينما وجدت بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأشكال كثيرة من الزينة الهادفة واللافتة، في دلالة على حرص الإندونيسيون على إبراز مظاهر دينية وروحانية شتى، كل ذلك يشعرك بأن الحياة في رمضان مختلفة، طالما أن الجميع يعيش في ظلالها أجواء لا تتكرر في غيره من شهور السنة.

وينفرد الإفطار الرمضاني في إندونيسيا كما يصفه أبناء البلد بالعديد من الملامح المعبرة، فعند اقتراب الشمس من المغيب، تتجمع بعض الأسر صغاراً وكباراً، وتتوجه إلى المستشفيات للإفطار مع المرضى، وإن لم يكن لديها مرضى هناك، وتلك عادة إندونيسية رمضانية راسخة، وبمجرد أن يرفع أذان المغرب وإن كان هناك غريب عن الديار، فـ «الهاشا» بيته الثاني، والهاشا كلمة إندونيسية تعني «العامرة».

وهي قاعة أنيقة تحوي مختلف أنواع الشراب والأطعمة مفتوحة لكل مسلم يمر بها، وهي ملحقة بكل مسجد في مختلف الأحياء الإندونيسية، والعامرة لا تفتح إلا في شهر رمضان من كل عام وبمناسبة العيد، وقد وجدت بفعل تبرعات المسلمين هناك، ومن عادات الصائمين حين يفطرون في العامرة أن كلاً منهم يغسل الأوعية التي أكل منها.

عادات لا حصر لها، تنفرد بها أكبر دولة إسلامية في العالم خلال الشهر الفضيل، وبمجرد حلول رمضان هناك يحصل الناس على إجازة تصل في بعض المناطق إلى أسبوع، يستغلها المسلمون لزيارات الأهل والأقارب، وتهنئتهم بتلك المناسبة، وفى الوقت نفسه فإن العديد من المدارس الإندونيسية تمنح طلبتها إجازة طوال أيام الشهر الكريم، أو الأسبوع الأول منه، لتمكنهم من التفرغ للعبادة، فى حين تقوم مدارس أخرى بتقليل عدد الحصص اليومية بصورة ملحوظة.

وتتنوع عادات رمضان من مكان إلى آخر داخل أندونيسيا، لكن الإندونيسيين اعتادوا أن يبدأوا الاستعداد للشهر الفضيل مبكراً، وذلك من خلال إقامة ما يعرف باسم «سوق شعبان»، وهو سوق كبير يقام أمام مبنى كل مدينة من المدن الأندونيسية، أو في الحديقة العامة، تعرض فيه كل الأشياء التي يمكن أن يحتاجها الناس في رمضان من أطعمة وألعاب ومستلزمات منزلية.

وفي إندونيسيا يتعاون الجميع في تنظيف الشوارع والمساجد ومجالس العلم قبل حلول رمضان، وفي ليلة التراويح الأولى يهنئ الناس بعضهم بعضاً ويتبادلون الهدايا والأطعمة، حيث تقوم كل أسرة بإرسال بعض الأطعمة التي تقوم بطهيها إلى عائلات مختلفة.

مساجد إندونيسيا تظل الساحة الأكثر احتفاءً بقدوم رمضان، حيث تبقى طوال أيام الشهر عامرة بالدروس الدينية ومدارسة القرآن الكريم، التى تقام بعد صلاة عصر كل يوم، وتشهد مساجد إندونيسيا فى الأيام العشر الأخيرة من رمضان كل عام إقبالاً مكثفاً من المواطنين على الاعتكاف بها، فيما يقوم الكثيرون بجمع أموال الزكاة وتوزيعها من خلال المساجد وبعض المؤسسات الدينية.

ظاهرة أخرى تعد إيجابية في نظر المجتمع الإندونيسي، وهي أن أصحاب الملاهي والمراقص يغلقون أبواب منشآتهم بصورة كاملة طوال أيام الشهر المبارك؛ وذلك في ظل إقبال الإندونيسيين بمختلف طوائفهم وشرائحهم الاجتماعية والاقتصادية على الاستفادة من فرصة التعبد والصلاة والقيام والدعاء.

أبرز الأطعمة التي يتناولها الإندونيسيون في رمضان هي ما تعرف باسم «كيتيوبات»، وهي أرز يُطبخ بطريقة خاصة بالماء الزائد وبأوراق النرجيل، وفي كثير من الأحيان يكون تناول الإندونيسيين لوجبات معينة رمزاً للتصالح فيما بينهم. ويوم العيد بإندونيسيا، فإن أبرز ما يميزه أن الناس جميعاً يخرجون إلى الخلاء رجالاً ونساءً لأداء صلاة العيد، التى تحاط عادة بمراسم من البهجة والفرح الغامر، يظهر بتجل على وجوه الجميع وهم يتبادلون زيارات التهنئة بالعيد.

دبي ـ عنان كتانة